Human Fraternity

الاخاء الإنساني في الحضارة الإسلامية ..!!؟

د.سمير خراط

الاخاء الإنساني في الحضارة الإسلامية ..!!؟

 

في المقدمة لابد من إطلالات فكرية عميقة على 1400 سنة من دعوة الإسلام، وعلى ثلاث قارات رفرف عليها علم الإسلام .

الإطلالة الأولى على الإمبراطورية الإسلامية الأولى، حيث لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم في حاجة إلى زمن طويل لينتشر الإسلام في الدنيا، فالرسول بعث رسائل إلى كسرى وهرقل، ومن جزيرة العرب راح الإسلام يستقر في مصر والشام، ثم في غرب أوروبا والهند وتركستان وفارس وأفغانستان والصين، ومن يومها وعلم الإسلام مرفوع على هذه الربوع، على أن ما خسره الإسلام في الأندلس من غرب أوروبا تم تعويضه عندما فتح العثمانيون القسطنطينية ومكنوا لدين محمد فيها، ومن هناك امتدت كلمة الإسلام إلى دول البلقان وجوار روسيا، وقاوم رجال الإسلام كل صور الظلم وألوان التحكم، ما جعل الشعوب أشد إيمانا بالله وحباً في الحياة والإعمار .

رغم أن الإسلام منع الحط من مقام عيسى عليه السلام، وأعلن تقديره لأهل الكتاب فإن الإنسان يعجب أن يظل تعصب الغرب على الإسلام بهذه الشدة في عصر يزعمون أنه من عصور النور والعلم، وأنه لذلك عصر التسامح وسعة الأفق .

كما أن الإنسان يعجب وهو يرى أن الإسلام جمع كثيراً من مبادئ دين أهل الكتاب، وجعل الإيمان بموسى وعيسى جزءا من الإيمان بمحمد عليهم السلام، وصان القرآن مريم ابنة عمران، وأقر معجزات عيسى، وأمر بألا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن .

ولأننا نحتاج في كتاباتنا  مؤلفين ليسوا كتاباً عاديين، بل سياسيين ومؤرخين من الطراز الأول، مؤهلين في  دراسة  الإسلام والقانون، يجيدون الإنجليزية مع العربية، اصاحب تجربة في قضايا الدين والدنيا، لنكون على هذا النحو من العمق والموضوعية والعقلانية والعاطفية التي رأى نرى من خلالها مسيرة نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم .. .

وعندما نبحث عن هذه الخصومة الهوجاء من الغرب ضد ديننا نجد أن جهل الغرب بحقيقة الإسلام وبسيرة النبي في مقدمة ما يدعو إلى هذه الخصومة، والجهل ولا ريب من أعقد أسباب الجمود والتعصب وأشدها استعصاء .

والسبب أيضاً أن المسيحية لا تتلاءم مع طبيعة الغرب، فالمسيحية تدعو إلى الزهد في الحياة والمعاني النفسية الروحية، هذا لا يتماشى مع الغرب الذي عاش ألوف السنين على دين تعدد الإلهة والكفاح المادي والمغالبة، فعندما اعتنق الغرب المسيحية لم تهذب المسيحية الغرب، بل زاد الغرب بمسيحيته في الطغيان والقوة والمغالبة، ولم يستطع الغرب المسيحي أن يؤاخي بين الروح والجسد ويزاوج بين العاطفية والعقل، بل أغرق في التعصب والكفاح باسم التدين، كما كان مغرقاً في التعصب والكفاح باسم الإلحاد ..!! .

الإسلام، الذين هم أبناء محمد، عاشوا لحرية الرأي والبحث عن الحقيقة، أبناء محمد يؤكدون الصلة الذاتية بالوجود وخالق الوجود، ولهذا لم تحدث قطيعة بين ديننا والعلم كما حدث في الغرب، بل النص القرآني والنبوي يدفعنا للعلم واستخدام أدواته .

لكن لا بد من بحث في غاية في الأهمية، يجمع خلاصة تجربة حياة، وربما استلهاماً من تجربة حياة صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم وتاريخ أبناء الإسلام الذاتي والخارجي .

لهذا عادوا الإسلام، بعد أن فهموا سر قوته، وعادوه لأنه كان سببا في وقوف الشعوب العربية والمسلمة ضد حضارة الغرب القاسية، التي رأت أن تكون هي الغالبة على طول الخط، فعندما غلُبت عادت من تخشى غلبته .

حيث لا بد من الإطلالات الفكرية التي يجب رصدها من قبل اي مؤرخ، أن الإسلام بتاريخه ومسلميه يجدد عطاءاته الفكرية، ويواجه دائماً الجمود من الداخل والتعصب من الخارج .

هذا التجديد الإسلامي حافظ على خصوصية حركة التاريخ الإسلامي، بأنها في مجملها حركة مد وليس جزراً، والمد إن لم يكن جغرافياً وعسكرياً، كان سياسياً أو دعوياً وثقافياً ولغوياً وفنياً وأخلاقياً، كما أنه مد في فهم طبيعة الدنيا والحياة، فالمسلم ينشد العلم، وينشد الفكر الواقعي ويرتبط بالمادة والكون والطبيعة، فالمادة ليست نجسة كما يرى دين الغرب، والآلة ليست ضد العبادة كما يرى فلاسفة الغرب .

لا بد من بحث الحضارة الإسلامية كما صورها القرآن، وفيه يطرح عدة خلاصات :

ـ الحضارة الإسلامية التي صنعها دين محمد هي حضارة عقدية قوامها العلم وهدي العقل والتفكير الذاتي والمنطق التجريدي، ليس عندنا تنازع بين الدولة والكنيسة ولا بين الشريعة والعواطف الروحانية .

ـ النظام الاقتصادي في الإسلام أساس الحضارة، وهو نظام يوفر لقمة العيش وفرصة العمل والأجر الحلال وإعمار الأرض، كما يطبق الحلال من المعاملات ويتجنب الأنشطة الحرام ولا تغيب عنه الأخلاقيات وحوافز الإتقان والبر والإخوة .

ـ العبادات جزء مهم في صناعة الحضارة الإنسانية في المفهوم الإسلامي، فالصلاة والصوم والزكاة والصدقات والحج هي لتقوى الله وإفراد العبودية له، كما هي لإعمار الكون وتبادل المنافع المادية .

ـ حضارة أبناء محمد صلى الله عليه وسلم هي حضارة الحلال، التحريم في دين الإسلام هدفه حفظ مال الإنسان وصحته ونفسه، وحماية الأرض والكون والعمران من الفساد، ولهذا حرّم الله الخمور وما في حكمها، ليحمي العقل والصحة والمال، يقول الله تعالى: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه، وحرّم الإسلام الربا والغش والاستغلال والاحتكار والإسراف والتبذير والكنز . يقول القرآن: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضعفة، وولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل .

المعروف تاريخاً وواقعاً أن الإسلام يحرم سلب ثروات الضعفاء من الدول والأفراد، ولهذا كان الاستعمار ولا يزال يستخدم الربا ويشيعه بين المسلمين ليوقع الدول المسلمة في قيود الدين، وبالتالي في براثن الاستعمار .

ـ حضارة الإسلام حضارة إخاء عالمي: فهي من حيث المبدأ حضارة عالمية، لكل الناس، هي حضارة فوق القوميات الضيقة، أو العصبيات الممقوتة، أو الحدود المصطنعة بين الشعوب والدول، حضارة بعيدة عن الأهواء والشعوبية، تكرّم بني آدم، وتكرم الكون كله، وتجعل أكرم الناس عند الله أتقياءهم، هي حضارة وسطية من دون غلو، وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، ويا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم .

ـ حضارة المسلمين حضارة إصلاح وإعمار واستخلاف في الدنيا ومرهونة بالآخرة، يقول دستور المسلمين الذي طبقه محمد وأتباعه من بعده ليوم الدين: وَعَدَ اللهُ الذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ .. .

ما بين المقدمة والخاتمة التي تتضمنها معظم أحداث السيرة النبوية، بدءاً من حالة العرب قبل الإسلام، ووضع مكة والكعبة وقريش ومحمد من ميلاده إلى زواجه إلى بعثه إلى مضايقات المشركين، ومروراً بالهجرة إلى يثرب والسرايا والغزوات، وانتهاء بحجة الوداع وعام الوفود ومرضه ووفاته صلى الله عليه وسلم ودفنه في الحجرة المجاورة لحجرة عائشة رضي الله عنها إذ لم يترك شيئا يورث، ولو ترك شيئاً ما ورث كما قال عليه السلام في الحديث: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة .

الإخاء الإنساني مفهومه وأهمّيتُه ..

فما هو مفهوم الإخوة الإنسانية ..!!؟

تتبلور فكرة الأُخوَّة الإنسانية في الرابطة التي من الممكن لها أن تربط كل البشر، جامعةً ما يمكن أن تفرقه أنواع التديّن المختلفة، أو السياسة، أو الإثنية والعرقية، أو الطبقية. والأخوّة الإنسانية هي الرابطة الوحيدة التي من الممكن لها أن تجعل بالفعل من الإنسان أخًا للإنسان .. .

الإخاء الإنساني مصطلح قديم بالنوع حادث في الشيوع، فإن الإنسان منذ نشأته الأولى لا يجهل أنه أخ لأخيه الإنسان، فهو من نسل آدم المكون من تراب، ومن نسل نوح أبي البشرية الثاني، فهو كأخيه الإنسان نشأة وجِبلّة وخصائص أياً كان عِرقه أو دينه أو بيئته، ومهما تباينت معتقدات بني الإنسان بين الحق والباطل، السماوي والوضعي، والعقلاني وغير العقلاني، فإنه يبقى أخاً للإنسان يحس بأنسه وبؤسه، ويتعين عليه أن يسعى لنفعه ويكف عن ضره، فإن تنكر لهذه الحقائق فإنه يكون قد تخلَّى عن إنسانيته وأصبح الجنس الحيواني طاغياً عليه، فيكون ذئباً ضارياً بصورة البشر، على أن الذئاب وغيرها من الأجناس الأخرى تحترم بعضها وتأنس بها، وقلّما تضر أصناف جنسها، بخلاف الإنسان الذي يتخلى عن صفاته الإنسانية فإنه يفسد كثيراً، وهو ما كانت تستشرفه الملائكة حينما اعترضت على خلق آدم، عليه السلام، لولا أن الله غالب على أمره، ويعلم ما في نوع الإنسان من خير يغلب شره .

وهذه الأخوة الإنسانية تحدّث عنها القرآن الكريم، تارة بوصف الآدمية تكريماً، أو وصف الناس خِلقة، أو وصف العباد افتقاراً وحاجة، أو غير ذلك حتى يعلم المرء أنه لا يعيش وحده في هذا الكون، بل إن له شريكاً تعمه الخطابات الإلهية وتجري عليه التكاليف الربانية، وأن ربه سبحانه قادر عليه وأن مرجعه إليه، وسيكون له معه شأن آخر إن خيراً فخير وإن شراً فشر .

وقد غاب هذا المفهوم الإخائي عن بعض الناس فأصبحوا لا يرون غيرهم إلا بمنظار المخالفة العقدية، فجعلوا العداوة أساساً للتعامل، فعاشوا في وهم الخوف بحيث لا يهدأ لهم بال، ولا يستقر لهم حال، وهم بذلك متناسون القواسم المشتركة التي جعلها الإسلام أساساً للتعايش، بين بني الإنسان، فقد أمر الإسلام ببر الآخر والقسط له، وأباح التعامل معه بيعاً وشراءً وتعاقداً، والمصاهرة منه، وأحلّ ذبائحه مع ما أخبر عنه أنه يدعو غير الله ويشرك به غيره، بل ندب أن يحسن إليه في القول والفعل، وهو ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله مع أهل الديانات المختلفة، ناهيك عن المواطنة الكاملة والحقوق المتبادلة، وكان ينبغي أن تكون هذه المعلومات الشرعية حاكمة على المنهج العدائي الذي يستشعره البعض؛ لأن هذه الأمور أصول، والعداء طارئ، فإنه لم يذكر في الذكر الحكيم والسنّة المطهرة ومراجعنا الفقهية الأصيلة إلا في مقابل الاعتداء، على سبيل دفعه وحماية النفس منه .

فإذا انضم إلى كل هذا ما أوجب الإسلام احترامه والحفاظ عليه، وهي معاهدات السلم والإخاء وحماية حقوق الإنسان، والعمل المشترك على مصالح الإنسان في مختلف الأوطان، والتي قامت بين كل الدول التي تحترم معاني الإنسانية، فإن داعي الإخاء يكون أهم ما يُسعى له وتحيا أصوله وفروعه، فإن هذا الإخاء سيوفر الأمن والسعادة والرفاهة والحضارة للجميع، وفوق ذلك سيجعل رسالة الإسلام ورحمته وهدايته ونوره يصل إلى كل بيت مدر وحجر، وسيفتح آذاناً صماً وقلوباً غلفاً وأعيناً عمياً، ويجعل للكرامة الإنسانية التي أشاد بها القرآن الكريم أكثر من غيره من الكتب والصحف المنزلة؛ سيجعل لها مكاناً راقياً في التعامل بين الناس، ويومئذ يفرح المؤمنون .

إن الإخاء الإنساني الذي سطر الإسلام مفهومه ومدلوله بالتعارف والتآلف والتعاون على البر والقسط وحماية الإنسان من العدوان، هو الذي ينبغي أن يكون ديدن المسلمين وهِجِّيراهم في هذا العصر المتشابك المصالح، المعقد سياسياً، المنهك فتناً وحروباً، فإنه لا سبيل إلى تجاوز هذه الحالات إلا باستشعار الإخاء الإنساني حتى يعطف صانعو أسلحة الدمار وتجار الحروب على إخوانهم، فيصنعوا لهم وسائل الراحة والسعادة بدلاً من وسائل الفناء، ويكسبوهم أنواع المعارف المختلفة التي تنير دروبهم وتجعلهم يتجاوزون تعقيدات الحياة المادية، فإن هذا كله من مقاصد الأديان السماوية ومقتضيات الحكمة الإنسانية .. .

مفهوم الإخاء الإنساني ..

الإخاء الإنساني مصطلح دائم بالنوع حادث في الشيوع، فإن الإنسان منذ نشأته الأولى لا يجهل أنه أخ لأخيه الإنسان، فهو من نسل آدم المكون من تراب، ومن نسل نوح أبي البشرية الثاني، فهو كأخيه الإنسان نشأة وجِبلّة وخصائص أياً كان عِرقه أو دينه أو بيئته، ومهما تباينت معتقدات بني الإنسان بين الحق والباطل، السماوي والوضعي، والعقلاني وغير العقلاني، فإنه يبقى أخاً للإنسان يحس بأنسه وبؤسه، ويتعين عليه أن يسعى لنفعه ويكف عن ضره، فإن تنكر لهذه الحقائق فإنه يكون قد تخلَّى عن إنسانيته وأصبح الجنس الحيواني طاغياً عليه، فيكون ذئباً ضارياً بصورة البشر، على أن الذئاب وغيرها من الأجناس الأخرى تحترم بعضها وتأنس بها، وقلّما تضر أصناف جنسها، بخلاف الإنسان الذي يتخلى عن صفاته الإنسانية فإنه يفسد كثيراً، وهو ما كانت تستشرفه الملائكة حينما اعترضت على خلق آدم، عليه السلام، لولا أن الله غالب على أمره، ويعلم ما في نوع الإنسان من خير يغلب شره .

وهذه الأخوة الإنسانية تحدّث عنها القرآن الكريم، تارة بوصف الآدمية تكريماً، أو وصف الناس خِلقة، أو وصف العباد افتقاراً وحاجة، أو غير ذلك حتى يعلم المرء أنه لا يعيش وحده في هذا الكون، بل إن له شريكاً تعمه الخطابات الإلهية وتجري عليه التكاليف الربانية، وأن ربه سبحانه قادر عليه وأن مرجعه إليه، وسيكون له معه شأن آخر إن خيراً فخير وإن شراً فشر .

وقد غاب هذا المفهوم الإخائي عن بعض الناس فأصبحوا لا يرون غيرهم إلا بمنظار المخالفة العقدية، فجعلوا العداوة أساساً للتعامل، فعاشوا في وهم الخوف بحيث لا يهدأ لهم بال، ولا يستقر لهم حال، وهم بذلك متناسون القواسم المشتركة التي جعلها الإسلام أساساً للتعايش، بين بني الإنسان، فقد أمر الإسلام ببر الآخر والقسط له، وأباح التعامل معه بيعاً وشراءً وتعاقداً، والمصاهرة منه، وأحلّ ذبائحه مع ما أخبر عنه أنه يدعو غير الله ويشرك به غيره، بل ندب أن يحسن إليه في القول والفعل، وهو ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله مع أهل الديانات المختلفة، ناهيك عن المواطنة الكاملة والحقوق المتبادلة، وكان ينبغي أن تكون هذه المعلومات الشرعية حاكمة على المنهج العدائي الذي يستشعره البعض؛ لأن هذه الأمور أصول، والعداء طارئ، فإنه لم يذكر في الذكر الحكيم والسنّة المطهرة ومراجعنا الفقهية الأصيلة إلا في مقابل الاعتداء، على سبيل دفعه وحماية النفس منه.

فإذا انضم إلى كل هذا ما أوجب الإسلام احترامه والحفاظ عليه، وهي معاهدات السلم والإخاء وحماية حقوق الإنسان، والعمل المشترك على مصالح الإنسان في مختلف الأوطان، والتي قامت بين كل الدول التي تحترم معاني الإنسانية، فإن داعي الإخاء يكون أهم ما يُسعى له وتحيا أصوله وفروعه، فإن هذا الإخاء سيوفر الأمن والسعادة والرفاهة والحضارة للجميع، وفوق ذلك سيجعل رسالة الإسلام ورحمته وهدايته ونوره يصل إلى كل بيت مدر وحجر، وسيفتح آذاناً صماً وقلوباً غلفاً وأعيناً عمياً، ويجعل للكرامة الإنسانية التي أشاد بها القرآن الكريم أكثر من غيره من الكتب والصحف المنزلة؛ سيجعل لها مكاناً راقياً في التعامل بين الناس، ويومئذ يفرح المؤمنون .

إن الإخاء الإنساني الذي سطر الإسلام مفهومه ومدلوله بالتعارف والتآلف والتعاون على البر والقسط وحماية الإنسان من العدوان، هو الذي ينبغي أن يكون ديدن المسلمين وهِجِّيراهم في هذا العصر المتشابك المصالح، المعقد سياسياً، المنهك فتناً وحروباً، فإنه لا سبيل إلى تجاوز هذه الحالات إلا باستشعار الإخاء الإنساني حتى يعطف صانعو أسلحة الدمار وتجار الحروب على إخوانهم، فيصنعوا لهم وسائل الراحة والسعادة بدلاً من وسائل الفناء، ويكسبوهم أنواع المعارف المختلفة التي تنير دروبهم وتجعلهم يتجاوزون تعقيدات الحياة المادية، فإن هذا كله من مقاصد الأديان السماوية ومقتضيات الحكمة الإنسانية .. .

المفهوم الإنساني للإخاء في الحضارة الإسلامية ..

حضارتنا الاسلامية قوامها العلم والعقل والمعرفة والإخاء الإنسانية ..، فحياة محمد عليه الصلاه والسلام درة من درر كتب السيرة النبوية التي ألفها العلماء المعاصرون، جاءت متمشية مع أحد مناهج كتابة التاريخ، وهي عن كتابة سير عظمائه والمؤثرين في صناعة التاريخ، ولأن صاحب السيرة ليس إنساناً فقط ولا عظيماً فقط ولا مؤثراً في التاريخ فقط، بل مع هذا وفوق هذا هو نبي الإسلام وخاتم رسل الله إلى خلق الله، كان الكتاب فريداً في بابه، ففيه مسحة من التأريخ والرصد، وفيه جانب من التحليل للقائد وشخصيته، وفيه تقييم للأحداث وحجم التأثير النبوي فيها، ثم فيه هذا الجانب الشديد الخصوصية، وهو الوحي والعقيدة والقرآن والإيمان والعبادة والإسلام والشريعة وبنو الإنسان .

 

 

 

 

الإخاء في الإسلام يزرع في النفس معاني التواضع، ويغرس في القلب حب الخير للناس جميعًا، حتى يتحقق قول النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وبذلك يتحقق المقصد السامي من خلق الإنسان واستخلافه في الأرض، وهو عمارتها بالخير والعدل والإحسان، ليعيش الناس في وئام وسلام .. .

الأخوة في الإسلام ليست من نوافل القول، بل هي أساس وعقيدة راسخة في النفس .. قال المصطفى- صلى الله عليه وسلم : “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلمٍ كربة فرَّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة” رواه البخاري ومسلم ..، كما في قولـه صلى الله عليه وسلم : ” لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ .. ” .

أما عن أثر الحضارة الإسلامية على أوروبا فقد قامت الحضارة العربية الإسلامية بدورها الطليعي خير قيام في بناء النهضة العلمية العالمية، وقد نقل العلماء العرب والمسلمون التراث الأغريقي وغيره من ألوان التراث العلمي الذي تقدّم عليهم في التاريخ، نقلوه إلى اللغة العربية، التي كانت لغة علم وثقافة، وأثر العلماء العرب والمسلمون في .. .

لذلك يعد الإخاء الإنساني من القيم الأساسية التي قامت عليها المجتمعات، فهو يعبر عن الروابط الاجتماعية والتعاون بين الأفراد بغض النظر عن خلفياتهم الثقافية أو الدينية أو العرقية ..، في عالم اليوم، حيث تواجه البشرية تحديات متعددة مثل الحروب، والفقر، والتمييز، يُعتبر مشروع الإخاء الإنساني خطوة ضرورية نحو تحقيق السلام والتنمية المستدامة .

مفهوم الإخاء الإنساني ..

الإخاء الإنساني هو مبدأ عالمي يُعزز التفاهم المتبادل والاحترام بين البشر. يتضمن هذا المفهوم مجموعة من القيم مثل المساواة، العدالة، والتعاطف. يسعى الإخاء الإنساني إلى تحقيق انسجام مجتمعي وتذليل العقبات التي تقف في وجه التواصل الفعال بين الثقافات المختلفة .. .

أهمية الإخاء الإنساني ..

  1. تعزيز السلام :

يعد الإخاء الإنساني العامل الأساسي لتحقيق السلام بين الشعوب. عندما يعزز الأفراد والمجتمعات قيم الإخاء، فإنهم يساهمون في تقليل النزاعات والصراعات .

  1. تطوير المجتمعات :

يسهم الإخاء في تعزيز التنمية المستدامة من خلال تشجيع التعاون والتكافل الاجتماعي. المجتمعات التي تسود فيها قيم الإخاء تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية .

  1. محاربة التمييز : الإخاء الإنساني يساعد في محاربة جميع أشكال التمييز والعنصرية، مما يسهم في بناء مجتمعات أكثر عدلاً ومساواة .
  2. تعزيز الوعي الثقافي :

*الإخاء يشجع الأفراد على التعرف على ثقافات الآخرين، مما يعزز التفاهم ويقلل من الصور النمطية السلبية .

آليات الإخاء الإنساني ..

لتحقيق مشروع الإخاء الإنساني، هناك عدة آليات يمكن اتباعها :

ـ التعليم والتوعية : يعتبر التعليم أداة قوية لنشر قيم الإخاء ..، من الضروري تضمين مفاهيم الإخاء والتنوع في المناهج الدراسية وتشجيع النقاشات المفتوحة حول هذه القضايا .

ـ تنظيم الفعاليات المجتمعية :

يمكن تنظيم فعاليات ثقافية وفنية تجمع بين أفراد من خلفيات متنوعة لتعزيز التواصل والتفاهم، مثل المهرجانات، وورش العمل، والمحاضرات .

ـ الشراكات مع المنظمات غير الحكومية :

التعاون مع المنظمات التي تعمل على تعزيز حقوق الإنسان والإخاء يمكن أن يزيد من فاعلية الجهود المبذولة .

ـ استخدام وسائل الإعلام :

يمكن استخدام وسائل الإعلام لتسليط الضوء على القضايا الإنسانية وتعزيز قصص النجاح في مجالات الإخاء والتعاون .

التحديات التي تواجه مشروع الإخاء الإنساني رغم أهميتة، إلا أنه يواجه العديد من التحديات منها :

ـ الأيديولوجيات المتطرفة :

تروج بعض الأيديولوجيات لفكرة تفوق عرق أو دين على آخر، مما يتعارض مع قيم الإخاء .

ـ التباين الاقتصادي :

الفجوات الاقتصادية بين الأفراد والمجتمعات تؤدي إلى شعور بالفصل والتمييز، مما يصعب عمليات التعاون والتفاهم .

ـ آثار الحروب والنزاعات :

النزاعات المسلحة تؤدي إلى انعدام الثقة وتدمير العلاقات بين المجتمعات، مما يجعل من الصعب بناء جسور التواصل .

بالمختصر المفيد ..

الإخاء الإنساني ..، يُعتبر ضرورة ملحة في عالمنا المعاصر. من خلال تعزيز القيم الإنسانية، والتعليم، وإقامة روابط قوية بين الأفراد، يمكننا بناء مستقبل أفضل يسوده السلام والعدالة. إن العمل على تحقيق الإخاء الإنساني ليس مسؤولية فردية فقط، بل هو واجب جماعي يتطلب توحيد الجهود والتعاون بين جميع أفراد المجتمع. لنكن جميعًا معًا من أجل عالم يسوده الإخاء والمحبة .

تتبلور فكرة الأُخوَّة الإنسانية في الرابطة التي من الممكن لها أن تربط كل البشر، جامعةً ما يمكن أن تفرقه أنواع التديّن المختلفة، أو السياسة، أو الإثنية والعرقية، أو الطبقية. والأخوّة الإنسانية هي الرابطة الوحيدة التي من الممكن لها أن تجعل بالفعل من الإنسان أخًا للإنسان .. .

وقد غاب هذا المفهوم الإخائي عن بعض الناس فأصبحوا لا يرون غيرهم إلا بمنظار المخالفة العقدية، فجعلوا العداوة أساساً للتعامل، فعاشوا في وهم الخوف بحيث لا يهدأ لهم بال، ولا يستقر لهم حال، وهم بذلك متناسون القواسم المشتركة التي جعلها الإسلام أساساً للتعايش، بين بني الإنسان، فقد أمر الإسلام ببر الآخر والقسط له، وأباح التعامل معه بيعاً وشراءً وتعاقداً، والمصاهرة منه، وأحلّ ذبائحه مع ما أخبر عنه أنه يدعو غير الله ويشرك به غيره، بل ندب أن يحسن إليه في القول والفعل، وهو ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله مع أهل الديانات المختلفة، ناهيك عن المواطنة الكاملة والحقوق المتبادلة، وكان ينبغي أن تكون هذه المعلومات الشرعية حاكمة على المنهج العدائي الذي يستشعره البعض؛ لأن هذه الأمور أصول، والعداء طارئ، فإنه لم يذكر في الذكر الحكيم والسنّة المطهرة ومراجعنا الفقهية الأصيلة إلا في مقابل الاعتداء، على سبيل دفعه وحماية النفس منه .

فإذا انضم إلى كل هذا ما أوجب الإسلام احترامه والحفاظ عليه، وهي معاهدات السلم والإخاء وحماية حقوق الإنسان، والعمل المشترك على مصالح الإنسان في مختلف الأوطان، والتي قامت بين كل الدول التي تحترم معاني الإنسانية، فإن داعي الإخاء يكون أهم ما يُسعى له وتحيا أصوله وفروعه، فإن هذا الإخاء سيوفر الأمن والسعادة والرفاهة والحضارة للجميع، وفوق ذلك سيجعل رسالة الإسلام ورحمته وهدايته ونوره يصل إلى كل بيت مدر وحجر، وسيفتح آذاناً صماً وقلوباً غلفاً وأعيناً عمياً، ويجعل للكرامة الإنسانية التي أشاد بها القرآن الكريم أكثر من غيره من الكتب والصحف المنزلة؛ سيجعل لها مكاناً راقياً في التعامل بين الناس، ويومئذ يفرح المؤمنون .

إن الإخاء الإنساني الذي سطر الإسلام مفهومه ومدلوله بالتعارف والتآلف والتعاون على البر والقسط وحماية الإنسان من العدوان، هو الذي ينبغي أن يكون ديدن المسلمين وهِجِّيراهم في هذا العصر المتشابك المصالح، المعقد سياسياً، المنهك فتناً وحروباً، فإنه لا سبيل إلى تجاوز هذه الحالات إلا باستشعار الإخاء الإنساني حتى يعطف صانعو أسلحة الدمار وتجار الحروب على إخوانهم، فيصنعوا لهم وسائل الراحة والسعادة بدلاً من وسائل الفناء، ويكسبوهم أنواع المعارف المختلفة التي تنير دروبهم وتجعلهم يتجاوزون تعقيدات الحياة المادية، فإن هذا كله من مقاصد الأديان السماوية ومقتضيات الحكمة الإنسانية .. .

الإخاء الإنساني مصطلح قديم بالنوع حادث في الشيوع، فإن الإنسان منذ نشأته الأولى لا يجهل أنه أخ لأخيه الإنسان، فهو من نسل آدم المكون من تراب، ومن نسل نوح أبي البشرية الثاني، فهو كأخيه الإنسان نشأة وجِبلّة وخصائص أياً كان عِرقه أو دينه أو بيئته، ومهما تباينت معتقدات بني الإنسان بين الحق والباطل، السماوي والوضعي، والعقلاني وغير العقلاني، فإنه يبقى أخاً للإنسان يحس بأنسه وبؤسه، ويتعين عليه أن يسعى لنفعه ويكف عن ضره، فإن تنكر لهذه الحقائق فإنه يكون قد تخلَّى عن إنسانيته وأصبح الجنس الحيواني طاغياً عليه، فيكون ذئباً ضارياً بصورة البشر، على أن الذئاب وغيرها من الأجناس الأخرى تحترم بعضها وتأنس بها، وقلّما تضر أصناف جنسها، بخلاف الإنسان الذي يتخلى عن صفاته الإنسانية فإنه يفسد كثيراً، وهو ما كانت تستشرفه الملائكة حينما اعترضت على خلق آدم، عليه السلام، لولا أن الله غالب على أمره، ويعلم ما في نوع الإنسان من خير يغلب شره .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وفي الختام لا بد من طرح الإخاء والأخوة في الواقع اليوم وكيف هي ..!!؟

الإخاء..

منهج رباني يخص الإسلام أولا وهو ما رآه وشرحه العلماني صاحب الفكر الحضاري والنظرية الاستراتيجية الاستاذ رفعت يوسف يقول ..:

بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله رب العالمين ..

بهذه العبارات الروحية، ينطلق المسلم في إيمانه، وفي كل عمل يقوم به، وهو ما يجعله يرددها مرات ومرات، في كل يوم .

لنلاحظ أنه لم يرد في كل هذه العبارات اسم الإسلام، ولا اسم أي دين أو عقيدة، وإنما قيم إلهية عالية ومطلقة، والهدف الإنساني من اعتمادها منهج حياة يومية هو الارتقاء بأنفسنا، لنتقرب إلى مستوى هذه القيم قدر المستطاع .

فالبيان الإلهي الذي يقول .. إن الله “الرحمن الرحيم” لم يحدد أنه يخص برحمته الإسلام والمسلمين، وحتى ليس البشر فقط، وإنما كل مخلوقاته، بحسن التعامل مع الحيوان، ومع الطبيعة، لكنه جعل الإنسان أرقى مخلوقاته، وأول ما حض عليه، هو احترام حياته وإنسانيته .

كما أن هذا البيان، وهو يقول “الحمد لله رب العالمين” فهو أيضاً لم يخصص المسلمين، ولم يميزهم عن غيرهم، وإنما هو رب العالمين كلهم، من ذهب منهم، ومن هم موجودون الآن، ومن سيأتي إلى الحياة، وإلى يوم الدين .

هذا يجعل من (الإخاء في الإسلام) شعاراً جميلاً، لكنه مثل كل المبادئ والشعارات والأهداف، التي تتعلق بالأديان عموماً، والإسلام خصوصا، يحتاج إلى الكثير من التدقيق والتوضيح، وفهم قيمه الإلهية، وأبعاده الإنسانية، قبل أن نتخذه شعاراً ،ونتحدث عنه بدون أن ندرك معناه وغاياته.

إن الشواهد من القرآن والحديث، على شمولية الإخاء في الإسلام، أكثر من أن يتسع لها مقال واحد، لكنني سأكتفي بما رواه الإمام أحمد، من حديث عن زيد بن أرقم : أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول بعد كل صلاة : “اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أنك الله وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن محمدًا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة”.

وأهم ما فيء هذا الحديث، هو عبارته الأخير “إن العباد كلهم أخوة” وبالتأكيد فكلمة العباد لا تخص المسلمين وحدهم .

أما البيان الإلهي الوارد في القرآن، والذي يردُ فيه كلمة المؤمن، في معظم ما يتعلق بالعلاقات بين البشر، وأولها {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات:10) وأهم ما في هذه “الأخوة” الإلهية، أنها لا تخص ديناً محدداً، وإنما تشمل كل من آمن بالله، بغض النظر عن مرجعيتهم الدينية، سواء كانت سماوية أو وضعية، ولنتذكر هنا البيان الإلهي، بأن الله لم يترك أمة من الأمم، بدون نبي يهديها، لكن القرآن الكريم لم يذكر كل هؤلاء الأنبياء، وهو ما يؤكده في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ * وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ * فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ وهذا يؤكد أن “معظم” ديانات وثقافات العالم، مصدرها إلهي، وهذا يستلزم علينا تطبيق البيان الإلهي، والمبدأ الإسلامي، باحترام معتقدات الآخرين، والتعامل معهم كأخوة، وعدم شتم وتحقير معتقداتهم، وأرى في كلمة الإمام علي كرم الله وجهه “الإنسان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق” من أرقى وأنبل ما وصل إليه الفكر الإنساني، والقيم الأخلاقية .

وإذا كان الإمام علي، الذي آخاه الرسول في المدينة، ووصفه بقوله “أنا مدينة العالم وعلي بابها” فهذا يعني، أن هذا العبارة العبقرية، تشكل روح الإسلام وجوهره الإيماني، وعلينا تطبيقها، بدل الأفكار التي تحاول حصر الإيمان والإسلام، والإرادة الإلهية، بعدد محدود من البشر، لا قبلهم ولا بعدهم .

قد يكون الوصول إلى هذه النتيجة، يحتاج إلى تحديد مفهوم الإخاء، وهو المأخوذ لغوياً من الجذر “أخ” وسلوكياً من مبدأ الأخوة وهذا يجعله أنواع :

** أخوة الرحم : وهي المتعلقة بالأخوة في الأسرة .

** أخوة العائلة : وهي تتعلق بالأقرباء وأبناء العائلة الواحدة، أو العشيرة والقبيلة، في المجتمعات التي لا تزال تعتمد هذه الروابط .

** أخوة الدين : وهي التي تنطبق من المنتمين إلى دين واحد، ويعتبر الإسلام، الأكثر أخذاً بهذا النوع من العلاقة .

** أخوة الوطن : وهي التي تجمع أبناء الوطن الواحد، بمختلف انتماءاتهم الدينية، والطائفية والعرقية .

** أخوة الإيمان : وهي التي يمكن أن تجمع بين المنتمين إلى مختلف الأديان، التي تؤمن بالإله الواحد .

بالتأكيد الإيمان بكل هذه الأنواع من الأخوّة مطلوب، وكلما ارتقت القيم الأخلاقية والدينية، عند أي أنسان، كلما توسعت دائرة أفقه والأخوة عنده، ونحن من تجربتنا في سورية، كبلد متعدد الديانات والطوائف والأعراق، ندرك بأن ثمة أخ لنا، من انتماء غير انتمائنا الديني، قد يكون أقرب إلينا في الأخوة والروح إلينا من أخ شقيق، وفي هذا تأكيد لقوله تعالى.. ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ .

وطالما أن البيان الإلهي في القرآن الكريم يقول ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا * إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ * إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ فهذا يؤكد أن العباد هنا هم البشر كافة، فهم أخوة بعضهم لبعض، بحكم البنوة لآدم، والعبادة لله سبحانه تعالى .

وفي هذه الآية دعوة إلهية للتعارف والإلفة والمحبة، بين المنتمين إلى مختلف العقائد والأعراق، ومن يعتقد أن الإخاء في الإسلام، يكون فقط بين المسلمين فهو مخطئ، ويمتلك فهماً معاكساً لروح الإسلام الشمولية، وهذا يؤكد أن الإخاء في الإسلام، هو رباط متين، يقوم على المحبة والتعاون والتآخي، ولذلك ينطلق من روابط متعددة، قد يكون الإخاء مع الآخر المختلف عنك في العقيدة، جزء أساسي منها، وهي من روح الإسلام .

إن النظرة الأخلاقية والمنفتحة على الإسلام، تجعلنا نرى أن الإخاء تشريعٌ ربّاني (يخص كل العالم) والمنافسة لتطبيقه يكون من خلال الأفكار والقيم الأخلاقية والإنسانية النبيلة، والتي تشكل روح العبادات الإلهية، وباعتبار أن الإخاء مبدأ إسلاميٌ، فهذا يجعله المعني الأولى في تطبيقه، كنهج حياة وسلوك، ونظرة إلى الآخر، ولكن وفق الأسس والقيم الإلهية، التي لا تتغير حسب الظروف والأهواء، وليس كما يريده السلاطين والحكام، وتجار الأديان ..!! .

د. سليم الخراط

دمشق اليوم الاثنين ١٧ تشرين الثاني ٢٠٢٥

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *