الإخاء الإنساني… عودة الإنسان إلى وعيه الأول قراءة في المذهب الإنساني عند الدكتور محمد حبش ليس مشروع الإخاء الإنساني الذي يطرحه الدكتور محمد حبش مجرد نداءٍ للتسامح أو دعوةٍ إلى التعايش؛ بل هو في جوهره ثورة فكرية وروحية تعيد الإنسان إلى وعيه الأول، إلى تلك اللحظة التي أدرك فيها أنه مخلوق مكرَّم، حامل لنفخة الإله، وأنه لا يقترب من الله إلا بقدر ما يقترب من الإنسان.
لقد أعاد الدكتور حبش تعريف الدين لا باعتباره منظومة أوامر ونواهٍ، بل باعتباره مشروعًا لتكميل الإنسان، مشروعًا يجعل الإيمان طريقًا إلى الحرية، والعبادة سبيلًا للرحمة، والمعرفة جسرًا للمحبة. وفي عالمٍ غارقٍ في صراعات الهويات الضيقة، يرفع حبش صوته ليقول: ليس الإيمان أن نكفّر المختلف، بل أن نرى في اختلافه وجهًا آخر للحقيقة التي نحبها جميعًا. الإنسان بوصفه مرآة الإله في صميم المذهب الإنساني عند الدكتور حبش، تنبع فكرة جذرية لم يسبق أن طُرحت بهذه الشجاعة: إن الإنسان ليس نقيض الإله، بل مرآته في الأرض. ومن هنا، يصبح كل عدوانٍ على الإنسان عدوانًا على الإله في صورته الأجمل. فالكرامة الإنسانية ليست مكرمة إضافية من السماء، بل هي الأصل الذي خُلق الإنسان عليه، وهي الميثاق الأول بين الخالق والمخلوق. بهذا الفهم، لا يعود الإخاء الإنساني مجرد تسوية اجتماعية، بل وعي كوني جديد، يعيد للإنسان مكانته ككائنٍ مقدّس بالحرية والضمير والعقل، ويعيد للدين مكانته كطاقةٍ لتحرير هذا الإنسان من الخوف والتمييز.
من الدين إلى الإنسان… ومن الإنسان إلى الله
يرى الدكتور محمد حبش أن الخطاب الديني عبر التاريخ انشغل بحراسة النص أكثر مما انشغل بخدمة الإنسان، وأن الدين حين يتحول إلى هوية مغلقة يفقد رسالته العالمية. من هنا تأتي دعوته الجريئة إلى تجديد فلسفة الدين، بحيث لا يكون الدين مقياسًا لتصنيف البشر، بل وسيلةً لتصعيد الإنسان في سلّم الكرامة. فالدين عنده لا يُقاس بما يُقال في المنابر، بل بما يُثمر في الأرض من عدل ورحمة. وحين يسأل: «أين الله في وجوه الجائعين والمظلومين؟» فإنه لا يطرح سؤالًا لاهوتيًا، بل سؤالًا أخلاقيًا يهزّ الضمير. فالله في فكر الدكتور حبش ليس فكرة تُحرس بالعقيدة، بل حقيقة تُجسّد بالرحمة
. الإخاء الإنساني كتجديد معرفي:
يُقدّم الدكتور حبش مشروعه بوصفه تحولًا معرفيًا في النظر إلى الوحي والإنسان معًا. فالوحي عنده ليس نصًا جامدًا يُقرأ في الماضي، بل نداءً مستمرًا يُستعاد في كل لحظة حياة. والمفسّر الحق ليس من يحفظ التأويل، بل من يقرأ النص بعين القلب والعقل معًا، فيرى فيه ما يعين الإنسان على أن يكون أكثر عدلًا ونورًا. وهكذا يُقدّم “الإخاء الإنساني” ليس كفكرة دينية جزئية، بل كمنهج في إنتاج المعرفة الدينية نفسها — منهج يربط النص بالواقع، والعبادة بالكرامة، والمقدّس بالإنسان. مركز دراسات الإخاء الإنساني – مختبر الوعي الجديد ومن رحم هذا الوعي وُلد مركز دراسات الإخاء الإنساني، الذي أسّسه الدكتور حبش ليكون حاضنة فكرية للباحثين والمهتمين بتطوير الخطاب الديني الإنساني. هناك، لا يُقاس الباحث بمدى ولائه لمذهبٍ أو طائفة، بل بمدى إخلاصه للحقيقة. إنه فضاءٌ يلتقي فيه الفكر والوجدان، النص والإنسان، حيث تُدرَس الأديان لا كحواجز بل كأنهارٍ تصبّ في بحرٍ واحد. بهذا المعنى، لا يمثل المركز مجرد مؤسسة بحثية، بل مختبرًا للضمير الإنساني الجديد، حيث تُصاغ اللغة المشتركة بين الإيمان والعقل، ويُدرَّب الباحث على الإصغاء إلى المختلف، لا لمجادلته، بل لفهم الله من خلاله.
الفكرة الخلّاقة: الإنسان كدينٍ جديد
الفكرة الأكثر جرأة في مشروع الدكتور حبش، والتي تمنحه تفرده الحقيقي، هي أن الإنسان نفسه هو الدين الجديد الذي يجب أن يُؤمن به العالم. ليس بالمعنى الميتافيزيقي، بل بالمعنى الأخلاقي العميق: كلما اقتربت من إنسانٍ في ضعفه، اقتربت من الله في رحمته. وكلما أعدت لإنسانٍ كرامته، أعدت للدين جوهره. بهذا المعنى، يتحول الإخاء الإنساني إلى لاهوتٍ للكرامة، لا يكتفي بالدعوة إلى التسامح، بل يؤسس لرؤية لاهوتية جديدة تُعيد بناء العلاقة بين الله والإنسان والمجتمع على أساس الرحمة لا الخوف، والمحبة لا الصراع.
بين الفكر والبيان من الناحية البيانية، ينجح الدكتور حبش في تحويل الفكرة الفلسفية إلى تجربة وجدانية نابضة. فهو لا يكتب بعقلٍ أكاديمي جاف، بل بقلبٍ يرى في الفكر صلاةً أخرى، وفي الكلمة عبادةً صامتة. وهنا سرّ تأثيره؛ إذ لا يخاطب الوعي فقط، بل الذاكرة الروحية في الإنسان، تلك التي تشتاق إلى أن تُرى وتُحب بلا شرط. الإخاء الإنساني… مشروع المستقبل في عالمٍ تتقاطع فيه الجدران أكثر من الأيدي، يبدو مشروع الإخاء الإنساني كأنه نافذة نحو فجرٍ جديد. إنه ليس نداء مثاليًا، بل ضرورة حضارية، لأن البقاء في هذا العصر لن يكون للأقوى، بل للأرحم. فالحضارات لا تسقط حين تضعف جيوشها، بل حين تقسو قلوبها.
إن رسالة الدكتور محمد حبش هي أن الدين القادم لن يكون دين التسلّط، بل دين الرحمة؛ وأن الإنسان القادم لن يكون عدوًّا للآخر، بل صديقًا للوجود كله. إنه لا يدعو إلى دينٍ جديد، بل إلى إنسانٍ جديد يرى في اختلاف الناس مرآةً لأسماء الله الحسنى، ويؤمن أن الله لا يُعبد في المعابد فقط، بل في العدل والحب والعلم والعمل. خاتمة لقد أعاد الدكتور محمد حبش إلى الخطاب الديني وجهه الإنساني المشرق، وأعاد إلى الإنسان وعيه بقداسته الداخلية. إن مشروع الإخاء الإنساني الذي يتبناه ليس فكرة عابرة في زمن الاضطراب، بل هو ملامح لنهضةٍ روحيةٍ جديدة، تُحرّر الدين من العصبية، وتحرّر الإنسان من الخوف، وتفتح أمام العالم أفقًا يتصالح فيه القلب مع العقل، والوحي مع الحرية. إنه ليس مجرد فكر، بل ضميرٌ متكلّم، يدعونا لأن نكون أكثر رحمة، وأكثر إنسانية، وأكثر إيمانًا بأن الله حين خلقنا مختلفين، أراد لنا أن نتكامل لا أن نتقاتل
وهكذا، يبقى صوت الدكتور محمد حبش في مشروع الإخاء الإنساني أشبه بنداءٍ من الأعماق يقول للعالم: “إن الإنسان لم يُخلق ليعبد الله فحسب، بل ليُعرّف به، حين يكون رحيمًا كما أراد الله أن يكون.
” إعداد سناء النبواني إسهام فكري وروحي في مشروع مركز دراسات الإخاء الإنساني