كتاب مقدمة ابن خلدون
هو عبد الرحمن بن خلدون من أكبر علماء التاريخ الإسلامي، ولعله أبرز عالم عرفته الحضارة الإسلامية بعد سقوط بغداد، ويعتبر مؤسس علم الاجتماع وهو ما كان يسميه علم العمران، وقد انتشر كتابه هذا في العالم حتى صار أصلاً للتفكير الاجتماعي وتفسير التاريخ تفسيراً علمياً قائماً على ما ينير العقل والمجتمع.
ويعتبر كتابه الذي عرف بمقدمة ابن خلدون أهم ما تركه من آثاره الغزيرة، وقد سمَّاه العبر وديوان المبتدأ والخبر في أحوال العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر
ومن الناحية الاجتماعية فإن كتاب ابن خلدون يؤسس لمفهوم الدولة المدنية في علم العمران، ويرفض المعايير التقليدية التي تصنف الناس على أساس أديانهم أو طوائفهم، ويطالب بدولة مدنية قائمة على العلم والاحترام.
وفي بيان الجانب الإنساني والاجتماعي في كتاب ابن خلدون نختار طرفاً من مقالة صالح بن طاهر مشوش:
علم العمران الخلدوني
إن اختيار ابن خلدون مصطلح ” العمران” اسما للعلم الذي أسّسه، زاد هذا الأخير أصالة وتوافقاً مع ما تقتضيه معايير الوحي في المعرفة.
ومن خلال استقراء شبه تام لنصوص “المقدمة”، تبين لنا أن استعمال مفهوم “العمران” جاء على أوجه متعدّدة، وأخذ مواقع في السياقات المختلفة، إن الأوجه المتباينة والمتقاربة في الوقت ذاته التي استعمل فيها مفهوم “العمران” كمصطلح مفتاح لتفسير ظواهر عمرانية عدة، مثل: السياسة، والاقتصاد، والعلم، والتربية، والأخلاق، والعمارة قد منحت هذا المصطلح القوة الدلالية والمعرفية اللازمة لكسب أهمية لا تقل عن التي يتمتع بها مفهوم ” الإنسان”، الذي جعلناه الموضوع المحوري بما تقتضيه مرجعية النظرة الكونية التوحيدية.
ارتبط استخدام مفهوم “العمران” في “المقدمة” بمجموعة من القضايا المتمايزة في مادتها ودلالاتها وعلاقاتها ببعضها بعضاً، غير أنه يمكن تقسيمها حسب طبيعتها إلى: إيجابية، وأخرى سلبية. أما القضايا الإيجابية فهي التي تعبر عن الطبائع والأحوال الإيجابية مثل: الاستخلاف، والتمدّن، والعزّة، والكثرة، والتآنس، والصنائع والعلوم، والكسب، والمصلحة، والمحافظة، والحضارة، إلى غير ذلك من المفاهيم التي ارتبط بها في مواقع مختلفة من “المقدمة”. وإلى جانب هذه التحديدات الإيجابية يُوجد ما يقابلها من اللواحق السلبية مثل: التناقص، والتقلّب، والقلّة، والذّلة، والتوحّش، والعصابات، والتراجع، والتغلّب، والسكون، والخراب، والفساد، والتبدّل، والتصرّف، والحول، والتفاوت، والتّرف، والاختلال، والانتقال.
وإلى جانب هاتين الفئتين يمكن استخلاص صنف آخر من المفاهيم المجرّدة، ارتبط بمفهوم العمران، التي جعلت منه أداة معرفية استدلالية فعَّالة وشاملة، تدخل في التحليلات والتفسيرات النظرية للقضايا. وهذا البناء المفاهيمي الذي أعطاه ابن خلدون اهتماماً كبيراً، يمثّل إحدى الخطوات العملية التي تحقّق له مقصده في تحويل التاريخ إلى علم، وجعل قوانين العمران أداة تمحيص، وتتحقّق في وجود المطابقة بين الخبر أو ” القضية الخبرية” مع الواقع، لأنه يرى أنه معرفة العلم بطبائع العمران “هو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها، وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة، ولا يرجع إلى تعديل الرواة حتي يُعْلَم أنّ ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع”[1]. وفي إطار الدلالة المعرفية التي اكتسبها مفهوم العمران في “المقدمة”، يمكن تعيين شبكة من المفاهيم المساعدة منها: الطبائع أو الطبيعة، والأحوال، والعوارض الذاتية، وعلل الكوائن، والأسباب، والشروط، ومبتدأ الأحوال، والمقدار، وهي كلّها مفاهيم فرعية تشكّل مع مفهوم العمران قضايا ومفاهيم أداتية تساعد على تشريح الظاهرة، لمعرفة كيفياتها، وممكنها، ومستحيلها، والثابت والمتغير والشروط التي أوجدتها، وعلاقتها بالظواهر الأخرى.
صنَّف ابن خلدون مفهوم “العمران” إلى ثلاثة أنماط من التجمعات البشرية تشمل: التجمع الطبيعي، والبدوي، والحضري، وأقام روابط شبه ضرورية في تحديد الأسبقية الزمنية في التحوّل والانتقال من نمط إلى آخر، كما هو واضح في تفسيره لنشأة الملك وتأسيس الدولة بوصفها كياناً سياسياً.
إن الخلفية الشرعية التي ميّزت التكوين العلمي لابن خلدون تشكل سبباً كافياً لطرح أسئلة حول علاقة مفاهيمه ومنهجه بمصادر الوحي؛ بل يعدّ طرحها من الأولويات المنهجية التي أسهمت في فتح مجالات جديدة تتجاوز التفسيرات التقليدية المادية والعلمانية. وهذه الخطوة تساعد الباحث على تفسير كثير من القضايا التي دار حولها الجدل، كمسألة “حداثة الفكر الخلدوني”، وصلاحية تفسيراته التي وضعها قبل ستمئة سنة في معالجة القضايا المطروحة في الوقت الراهن. إن الدعوة إلى البحث في هذه العلاقة يستند إلى كون القوانين الثابتة واليقينية التي جعلها ابن خلدون خلاصات بحوث لا يمكن ردّها كلية إلى الملحوظات والتأملات،والاستقراءات التي قام بها، بل استند كثيراً إلى نصوص الوحي في اكتشاف تلك القوانين، والخلاصات، وتحديد صيغها، ومفاهيمها، وتفسير جوانبها التطبيقية من الحياة العملية. وهذه الاستفادة المباشرة من مصادر الوحي هي المتغير المستقل، الذي يجب الاعتماد عليه لتفسير صلاحية جزء كبير من القضايا التي فسرها ابن خلدون، ليس فقط على ضوء ما يمليه الواقع بمقتضى طبيعته، وأعراضه الذاتية وتقلّباته؛ بل كذلك في ضوء مصادر الوحي التي منحته خصائص الصدق، واليقين، والاستمرار.