Human Fraternity

كتاب (المثنوي) لجلال الدين الرومي

كتاب المثنوي لجلال الدين الرومي

جلال الدين الرومي أشهر الفقهاء المتصوفة في الإسلام،(1207-1273م) وأبرز الكتاب والشعراء الإنسانيين في التاريخ الإسلامي، مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حُسَيْنَ بَهَاءٌ الدِّين البَلَخي الْبَكْرِيّ، وهو شاعر، عالم بفقه الحنفية والخلاف وأنواع العلوم، ثم متصوف (ترك الدنيا والتصنيف) كما يقول مؤرخو العرب، وهو عند غيرهم صاحب المثنوي المشهور بالفارسية، وصاحب الطريقة المولوية المنسوبة إلى جلال الدين.

ولد في بلخ، أفغانستان وانتقل مع أبيه إلى بغداد، في الرابعة من عمره، فترعرع بها في المدرسة المستنصرية حيث نزل أبوه. ولم تطل إقامته فقد قام أبوه برحلة واسعة ومكث في بعض البلدان مدداً طويلةً، وهو معه، والتقى بفريد الدين العطار في نيسابور وتأثر به، ثم استقر في قونية سنة 623 هـ في عهد دولة السلاجقة الأتراك، وعرف جلال الدين بالبراعة في الفقه وغيره من العلوم الإسلامية، فتولى التدريس بقونية في أربع مدارس، بعد وفاة أبيه سنة 628 هـ، كما رحل إلى الشام والتقى بالفيلسوف ابن عربي وتأثر به تأثراً عظيماً،  وفي مرحلة لاحقة التقى بالصوفي الغامض شمس الدين تبريز الذي حول حياته بشكل جذري نحو القيم الروحية والتصوف العرفاني حيث ترك التدريس والتصنيف والدنيا وتصوّف فشغل بالرياضة وسماع الموسيقى ونظم الأشعار وإنشادها، وتعلق به السلطان السلجوقي علاء الدين كيقاباد وقد دعمه في مشروعه الإنساني وأسس مدسته في قونية التي لا تزال إلى اليوم مركزاً للحوار بين الفلسفات والأديان.

وقد جمع جلال الدين فكره وفلسفته في ديوان شعري طويل أطلق عليه اسم المثنوي وكان يحظى باحترام كبير لدى الفر س حتى سمي بقرآن العجم، والمثنوي عبارة عن مجموعة شعرية من نحو 24000 بيت زاد عليها النساخ والشراح حتى بلغت 48000 بيت. نظمها الفيلسوف المسلم جلال الدين الرومي (604 ـ 672هـ) باللغة الفارسية وضمنها أغلب فلسفته وحكمته.

ونختار هذه المقالة لمحمد حبش للتعريف بمولانا جلال الدين:

جلال الدين الرومي

فيلسوف الأمل والإيمان

كان عصر (جلال الدين الرومي) أعقد عصور التاريخ الإسلامي على الإطلاق فحياته التي تمتد من 604هـ إلى 672هـ هي فترة الغزو المغولي التتري الذي حظم معالم الحضارة الإسلامية، وأسقط كثيراً من أوابدها ورموزها.

و(الرومي) لم يكن غائباً عن الأحداث في تلك الفترة الصاخبة بل كان يتنقل بين عواصم العالم الإسلامي المشتعلة فمن بلخ إلى نيسابور إلى بغداد إلى قونية في أرض الروم التي استقر فيها عام 637هـ وتصدر للإفتاء الحنفي كواعظ وفقيه، ولم يؤثر عنه أنه كتب شيئاً من الشعر حتى بلغ الثامنة والثلاثين من العمر([1]).

ولم يكن أصحاب جلال الدين وإخوانه يعلمون أن ذلك الفقيه الهادئ يطوي في صدره فلسفة كامنة ستمكث غير بعيد لتتبوأ محلها في تاريخ الفلسفة الإسلامية كواحدة من أنضج وأشمل الحلول لكل مشاكل الإنسان ومآسيه.

والتقى جلال الدين بصاحبه الصوفي الكبير شمس الدين التبريزي وخلال سنتين من الخلوة والصحبة المتواصلة بين الرجلين تحول جلال الدين الرومي من مجرد واعظ وفقيه حنفي إلى سلطان معرفة الأذواق..!

لقد كانت فلسفة رومي فلسفة حرب نشأت في وقت كانت فيه مذابح المغول والتتار تصخ آذان العالم الإسلامي، ولكن الرومي كان يقدم في روائعه الرقيقة فلسفة الكفاح والنضال مخاطباً أولئك الذين أفلتوا من المجزرة وهم يرتقون جراحهم ويعيشون مآسيهم أنه لم ينته كل شي وأن أمام الإنسان كثيراً من النضال والكفاح في هذه الأرض.

الروح عند جلال الدين هي حقيقة الإنسان وهي خلوده والروح ـ حتى وهي في هذا القفص الجسدي العابر، لا يمكن أن تكون شيئاً تافهاً على الإطلاق، بل هي في سجنها وأرقها تسخر الوجود وتملؤه بالحب والجمال.

استمع إليه وهو يستنطق الروح المتعبة:

قالت الروح وقد أرهقها

 قفص الأبدان في طول العمر

أنا كالبدر الذي قوسه

 ألم العشق وأضناه السهر

لست بالميت ولو غيبني

 عبث الدهر وآذاني القدر

سوف أغدوا مشرقاً من غربتي

 وأعيش الدهر في كر  وفر([2])

ثم يمضي جلال الدين يستنطق الجماد الصامت ويبني على أساس سلوكه فلسفة الكفاح:

حبة القمح إذا تدفنها

 تجعل القبر مخاضاً مستمر

وإذا تطحنها صلب الرحى

 فهي خبز فيه طعمى للبشر

وإذا تسحقها أسنانهم

 فهي للعاقل روح وفكر([3])

لقد كانت صورة الحضارة الإسلامية آنذاك على غاية من الضعف والشيخوخة وكان (جلال الدين) يعلم ذلك ويفهمه ولكنه كان لا يرضى لروح المسلم أن تشيخ بل كان يريدها في شباب دائم لا توهنه عوارض السقم وفي ربيع مشرق لا يقنطه برد الشتاء فكان جل خطابه للروح يقدسها ويمجدها ويأمرها أن تبعث الحياة من جديد في تلك الأبدان الواهنة الزاغبة بسكرات الموت. والوجود عند جلال الدين ليس مشكلة مفروضة بل هو ثمرة إنسانية يعكس طموح الناس وأمانيهم.

فالروح هي دائرة الوجود الكبرى، والمشكلة هو الإنسان وما هذا الوجود إلا مرآة تظهر فيها أفعال العباد.

فالمطموس الغائب البصيرة يرى الوجود قفص قبائح وكنف فضائح والصوفي العارف يرى الوجود صورة للجمال في أعماق روحه الطاهرة.

وهو يروي ذلك على صورة خبر طريف:

كان في المشرق طاغوت كبير

 مفسد في الأرض كذاب مبير

قبح ما يظهر من أعماله

 واضح في حاله وقاله

أخذ المرآة من كف الوزير

 فبدا فيها كقرد في سرير

حطم المرآة في حنق الديوك

 ثم نادى: أين مرآة الملوك؟

ويلكم هاتوا المرايا أجمعين

 أنا وجهي قبلة للعالمين

ويلكم… بئس المرايا للمليح

 ليس فيها غير تمثال قبيح.!

فأتى زركوب([4]) ذو الوجه الحسن

 صاحب الحكمة والحكمة فن

قال يا مولاي: ما تنقم من

 صدقها… ما الصدق مدعاة الحزن

ليس للمرآة ذنب إن من

 يعشق المرآة ذو الوجه الحسن([5])

الذنب ليس للمرآة وهل المرآة إلا صورة للوجود والوجود ليس إلى صورة يجمعها خيال الناظر يحسنها ويقبحها.

وكل ما في الوجود من مظاهر النقص فإن الصوفي العارف يراها باب كمال وهل يعرف الكمال بغير النقص:

أتدري شبابك لولا الهرم

 أتدري وجودك لولا العدم

أيظهر جودك لولا الفقير

 أتعرف فقرك لولا القصور

ومرآة قلبك لولا الفناء

 لما أدركت سبحات البقاء([6])

هكذا كانت دعوة جلال الدين للتعامل مع الحياة والأحداث، وعلى العكس ما كان يفترض أن تقوم عليه فلسفة ما بعد الحرب من بأس وقنوط جاءت فلسفة رومي طافحة بالأمر والحب والبشر.

والرومي ينظر إلى الأشياء على أنها مظاهر حكمة إلهية ويبلغ به اليقين في ذلك درجة يستنطق بها الصخر والطير والجماد والحجر حتى كأننا ننظر بعينين وينظر بأربعين عين، انظر إليه في موقف تأملي يسمعك غرور الأشياء، أمام مظاهر الكمال:

يقول الجدار إذا ما استنار

 أنا كالثريا أضيء النهار

فتبتسم الشمس ثم تقول

 ستعلم شأنك بعد الأفول

وعشب الحقول إذا ما اخضرم

 يقول أنا أخضر من قدم

فينطق صيف الزمان اللطيف

 ستعرف لونك عند الخريف

ثم يتحدث عن الغرور الأكبر وهو تعالي الجسد على الروح فيتحدث في ذلك مخاطباً عبيد الماء والطين:

ويزهو على الأرض لحم وطين

 يقول أنا جوهر العالمين

فتسمعه الروح في عرشها

 ينازعها المجد وهو مهين

قريباً ستدفن تحت التراب

 وتبصر ذُلَّك عين اليقين([7])

وهو لا ينأى بعيداً حتى يفهم قارئه غايته من الحديث عن الإشراق فليس الإشراق صدفة عابثة ينالها قوم غافلون، بل هو سعي متصل مرتبط بالقصد والكفاح الإنساني، إنه توجه دقيق لمكامن الإشراق وما على المريد إذا أراد أن يشرق قلبه إلا أن يتوجه إلى العارف المتصل بالجلال الإلهي:

قالت الأنجم للبدر المنيف

 أي سر ذلك الوجه الوضي

قال إني بشر من حمأ

 مثلكم لكنه يوحى إلي([8])

فلم تعد في الكون ومضة بارقة إلا ولله فيها تجل وإشارة، والناس في فهم إشارات الرحمن على درجات متفاوتة.

هكذا عرض جلال الدين فلسفته الحية وقدمها لأمة كانت على وشك أن تموت بل قل إنها ماتت وبعثت من جديد من بعد أن نزلت برأسها أوجع ضربات التاريخ، ولم يكن لها أن تعود إلى الحياة لولا فلاسفة الإيمان ورجال الدعوة إلى الإسلام.

لقد احترق العالم مرة أخرى هذا القرن ولم يقم النازيون بأفظع مما قام به المغول والتتار وقامت عقب الحرب العالمية الفلسفة الوجودية في دعوة صارخة إلى الفوضى والغثيان واليأس وهو مصير كل فلسفة لا تقوم على أساس من الإيمان.

أما قيامة الشرق التي أفرزها غزو التتار فقد أيقظت فلسفة (الرومي) على أساس من الإيمان فكانت فلسفة الحب والحياة والخير والأمل.

والمثنوي يتناول كل قضايا الحياة والغيب بلسان الشاعر الفيلسوف، ويستعير الرومي لعرض قضاياه قصصاً حقيقية وخيالية لملوك وأنبياء وسلاطين وفلاسفة وحكماء ويستنطق كذلك الحيوان والجماد والطير ويوجه ذلك كله لخدمة المثل الأعلى الذي يراه في سلوك الصوفية وآدابها.

وقضايا الكتاب تتوزع بشكل يكاد يكون عبثياً، بحيث لا ترتد إلى وحدة ناظمة، ولكنها في جميع أشكالها ذات مضمون فلسفي واحد: وهو تحقيق السمو الروحي والسعي نحو الكمال.

أنت تدخل المثنوي شاكاً متردداً ولكنك سرعان ما تجد نفسك في زورق جلال الدين في عباب البحر وهو يمد مجدافه إلى قاع المحيط ثم يقلب به القمر والنجوم ويعود بكثير من رمال الصحراء وخضرة المزارع، ويمنحك في كل حال دفء حكمة، ونور معرفة.

لقد دخل المثنوي عمق الأدب الفارسي خلال فترة وجيزة، ولكن رسالته لم تكن كذلك فحسب فسرعان ما جاوز حدود بيئته وتلقفه الأدب العالمي.


([1]) من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية.

([2]) مثنوي جلال الدين، ترجمة د. كفافي جـ1 نظم الصفحة 410 .

([3]) نفس المصدر السابق، نظم ص369 .

([4]) زركوب: حكيم كان جلال الدين يحبه ويؤثره.

([5]) مثنوي جلال الدين، ترجمه د. كفافي جـ1 نظم ص369 .

([6]) نفس المصدر، نظم ص422 .

([7]) نفس المصدر، نظم ص387 .

([8]) نفس المصدر، نظم ص413 .

تعليق واحد

اترك رداً على Salih Ahmad إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *