عبد الوهاب الشعراني فقيهٌ شافعي، وإمامٌ صوفي شهير، 1492-1565م، ولد في تلمسان وهاجر إلى مصر واستقرَّ بها، شهد نهاية العصر المملوكي وبداية الحكم العثماني في مصر، ورويت عنه عجائب وأخبار لا يمكن التثبت من صحتها.
وقد اخترناه في هذه المجموعة من الكتَّاب الإنسانيين في التاريخ الإسلامي نظراً لرسالته الصوفية المؤسسة على منزلة الإنسان عند الله، ووجوب احترامه مهما كان خياره الفقهي أو التأويلي.
وقد تلقى الشعراني التصوف على يد شيخه علي الخواص كما لبس الخرقة من الشيخ زكريا الأنصاري والشيخ محمد الشناوي، وتتصل هذه المشاهدات والممارسات بقصص عجائبية لا يمكن تصديقها ولكنها تساعد في رسم صورة الإمام الشعراني رجلاً مختلفاً لا يبالي في خرق المألوف.
في كتابه هذا يشرح الشعراني الخلافات التأويلية بين الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وينتهي إلى تقرير الحقيقة الصوفية المعروفة أنهم جميعاً على حق، وإن كانوا قد جانبهم الصواب، ولكن يجب احترام الجميع ورفع الغمة عن جميع الأمة، فكلهم له تأويل وتفسير، وتختلف زوايا الرؤية ولكن الحقيقة تتحدد بمدى خدمتها للإنسان والإحسان إلى الناس فالخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله.
من المدهش أن الشعراني أشار إلى ظواهر في المجتمع المصري لأشخاص مشاهير مارسوا مخالفات فظيعة لنصوص الشريعة، ولكنه لم يشأ قط أن يذهب إلى تكفيرهم أو تفسيقهم أو التحريض عليهم؛ بل ظل يلتمس لهم المعاذير ويؤكد على أنهم عباد الله وعياله وأدب المريد أن يحسن للناس بالمحبة وإن خفيت عنه طبائعهم ومراميهم.
وقد نجح الشعراني في تقديم نموذج جيد للفقيه الإنساني حيث عهد إليه برعاية الزاوية التي أقامه القاضي الأزريكي، التي سميت فيما بعد بالزاوية الشعرانية وكان يقيم بها مئات الدراويش مع عوائلهم وكثير منهم من العميان، وكان يظهر بسالة ونبلاً في رعايتهم وخدمتهم على اختلاف مذاهبهم واعتقاداتهم.
لم يسلم الشعراني من الخصومات والعدواوات، فقد كان أسلوبه في الجمع بين الحقيقة والشريعة، والظاهر والباطن، وأثارت عباراته الجريئة التيار السلفي الذي رآها عبثاً بالثوابت وتهاوناً في العقيدة، ومن ذلك كلامه بأن الفقهاء على حق الصوفية على حق، ولكل إنسان تأويل ، ولا ينبغي لأحد أن ينكر على احد.
ويمكن القول إن المذهب الإنساني عند الشعراني يتجلى في رفضه باستمرار لتكفير الأئمة والتماس المعاذير باستمرار لما روي عنهم من مخالفات وشطحات، وكان يرى أن براءة الإنسان أصل وأن الاتهام مغامرة تحتاج إلى برهان، واشتهر عنه القول بأن الأولياء والصالحين قد يبلغون مقامات الأنبياء العالية ويتجاوزونها.
والشعراني أكثر من صرح بولاية ابن عربي وإمامته على سائر الفقهاء، ودافع عنه بضراوة وبشكل خاص عن موقفه الإنساني في احترام الخلق على اختلاف أديانهم، وصنف كتابين اثنين في ذلك: اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، وكتاب الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر، وكذلك كتابه سواطع الانوار القدسية فيما صدرت به الفتوحات المكية، وكان يعبر عن فتوحات ابن عربي بصراحة ووضوح بأنها إملاء رباني وفيض إلهي ونفث روحاني.
وقد أثارت رؤيته المتسامحة عدداً من الكتاب المستشرقين مثل نيكلسون وفولرز وبروكلمان وشاخت، ويعتبر نيكلسون أن العالم الإسلامي افتقد المفكر الإبداعي منذ سقوط بغداد، ويشيشر إلى استثناءين اثنين هما الشعراني وابن خلدون، حيث يظهر لديهما الفكر الإبداعي المستقل، فيما يشير ماجونالد إلى أصالته في التفكير وقدرته على تجاوز ظواهر النصوص وتأويلها وأكد انه حقق أهدافه تماماً في التوفيق بين المذاهب الإسلامية وبين التصوف والشريعة،
وقد أظهر الشعراني قدراً كبيراً من التسامح حيث أشار في كتبه مراراً إلى محاسن الأخلاق عند المسيحيين واليهود من أهل الذمة ودعا إلى اعتبارهم مثالا وقدوة، ولكنه في الوقت نفسه لم يظهر هذا التسامح مع منافسيه في الطرق الصوفية خصوصاً البرهامية والمطاوعة والأحمدية.
وكذلك فإن الخيارات الإنسانية والعقلانية التي انتهجها لا تستقيم مع ما تحدث عنه باستمرار من ظهور الكرامات والعجائب على يديه وحديثه المتكرر مع الجن، وتلقيه الإشارات والإلهامات، حتى اتهمه زكي مبارك بالنفاق والازدواجية في خطابه، وفي الواقع فإن الشعراني كان بشكل ما زعامة اجتماعية متصدرة، وهذا ما يضطره إلى بعض الديماغوجيا في استقطاب المريدين والبشطاء، وهو في ذلك يشبه الشيخ كفتارو الذي كان يملك خطابين اثنين واحد للمريدين الذين تستهويهم العجائب والغرائب، وخطاب آخر لأهل الفكر والفلسفة، الذين كانوا ينتظرون خطاباً عقلانياً برهانياً.
ومن أهم الكتب التي درست الشعراني كتاب الدكتور توفيق الكطويل : الشعراني إمام التصوف في عصره