الاخاء الانسانى و الواقع السوري
تعد اعادة بئاء المجتمعات بعد الحروب عملية معقدة لا تقتصر على ترميم الحجر أو
صلاح الاقتصاد، بل هي في جوهرها عملية استعادة “للإنسان” وللروابط التي
تمزقت، فى الحالة السورية، تجاوز الشرخ السياسى ليصل إلى عمق النسيج
الاجتماعى، مما يفرض ضرورة البحث عن فلسفة اجتماعية قادرة على رأب هذا
الصدع، وهنا يبرز مفهوم “الأخاء الإنساني” كركيزة أساسية للعبور من ضفة
التشرذم إلى ضفة الاستقرار.
أولأ: مفهوم الآخاء الإنسانى.. أبعد من الشعارات
الأخاء الإنساني في علم الاجتماع ليس مجرد شعار عاطفي أو دعوة دينية مجردة
بل هو وعي جمعي يقوم على الإيمان بأن الرابطة الإنسانية هى المنطلق الأول
والأخير في التعامل بين أفراد المجتمع. هو إدراك الفرد بأن كرامته الشخصية
وحقوقه لا تكتمل الا بالاعتراف بكرامة الآخر وحقوقه، مهما اختلف معه في
المعتقد، الموقف السياسي، أو المنطقة الجغرافية
المكونات الأساسية للأخاء الإنسانى
الاعتراف المتبادل: وهو ان يرى الفرد فى “الآخر” إنسائأ مساويأ له فى القيمة
ليس “عدوﺃ” او”رقما” او “نمطآ” جرى تشويهه خلال سنوات الحرب
– المسؤولية التضامنية: الإيمان بان مصير افراد المجتمع واحد؛ فالفشل الاجتماعي
الذي يصيب فئة معينة سيمتد اثره بالضرورة ليشمل الجميع
– التسامح الإيجابي: وهو لا يعني نسيان المظالم، بل يعنى رفض الانتقام وتقليد
منطق “الفريق المشترك” لضمان عدم تكرار ماسي الماضى.
ثانيا: الواقع السوري.. تشخيص أثار “التشرذم”
لقد تركت الحرب في سوريا ندوبا غائرة في الشخصية السورية، حين تحولت
الهوية الوطنية الجامعة إلى حريات فرعية منغلقة هذا التشرذم لم يكن جغرافيا فقط
بل سيكولوجية واجتماعياً، وتجلى في عدة مظاهر :
– أزمة الثقة: انهيار رأس المال الاجتماعي”، حيث أصبح الشك هو الحاكم في
العلاقة بين السوريين الذين فرقتهم خطوط النار او المواقف السياسية .
– شيطنة الأخر وهي عملية تجريد الشريك فى الوطن” من انسانيته، مما سهل
تقبل فكرة اقصائه أو تهميشه
– الانكفاء على “الجماعة لجوء الافراد إلى الحماية الطائفية أو المناطقية كبديل
عن مظلة الدولة والمجتمع السورى الواحد.
ثالثا: معالجة أثار الحرب من خلال الأداء الإنسانى
للخروج من حالة التشرذم، لابد من اسقاط مفهوم الاخاء الانساني على الواقع
السوري عبر مسارات عملية تهدف إلى “أنسنة” المجتمع من جديد
1. ترميم الذاكرة الجماعية وانسنة الضحية:
ان أولى خطوات الاخاء هي الاعتراف بآلام الجميع, الحرب لم توفر أحداً، وفهم ان
الوجع السوري هو وجع مشترك يساعد في كسر جدران الكراهية. الاخاء يبدا حين
يدرك السوري ان “الأخر” الذي يختلف معه قد فقد بيتاً، أو عزيزاً، أو مستقبل تماماً
كما فقد هو .
2. بناء “جسور” لا “جدران”
يجب العمل على خلق مساحات اجتماعية عابرة للانقسامات الأداء الإنسانى يتجدد
في العمل المدني المشترك، وفي المبادرات التي تجمع ابناء المحافظات والخلفيات
المختلفة على أهداف خدمية وانسانية معركة، ما يعيد بناء الثقة تدريجياً عبر
“لفعل” لا عبر “الكلام” فقط.
3. صياغة عند اجتماعى أخرى”
لايمكن القوانين وحدها ان تحصى المجتمع مالم تكن مسنودة بثقافة شعبية تؤمن
بالاخاء. معالجة أثار الحرب تطلب خطاباً تربوياً وإعلامياً جديداً يركز على
“المواطنة الإنسانية، حيث يتم تعليم الأجيال القادمة أن التنوع السوري مر محمد
غنى وليس قبل صراع
خاتمة
الأخاء كضرورة وجودية
إن الاخاء الإنساني في الحالة السورية ليس خياراً ثانوياً، بل هو ضرورة وجودية
لاستمرار المجتمع. والتشرذم لا يؤدي إلا إلى استدامة الصراع وإضعاف الجميع.
إن تبنى هذا المفهوم يعني الانتقال من عقلية “الانتصار على الشريك” إلى متتالية
الانتصار للوطن”، وهو الجسر الوحيد الذي يمكن ان يعبر لوعد السوريون نحو
مستقبل امن، يسوده العدل وتجمعه الإنسانية التي لا تفرقه السياسة
د شادي أحمد
باحث وكاتب سورى