الإخاء..
منهج رباني يخص الإسلام أولاً
*******************
“بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله رب العالمين”..
بهذه العبارات الروحية، ينطلق المسلم في إيمانه، وفي كل عمل يقوم به، وهو ما يجعله يرددها مرات ومرات، في كل يوم.
لنلاحظ أنه لم يرد في كل هذه العبارات اسم الإسلام، ولا اسم أي دين أو عقيدة، وإنما قيم إلهية عالية ومطلقة، والهدف الإنساني من اعتمادها منهج حياة يومية هو الارتقاء بأنفسنا، لنتقرب إلى مستوى هذه القيم قدر المستطاع.
فالبيان الإلهي الذي يقول.. إن الله “الرحمن الرحيم” لم يحدد أنه يخص برحمته الإسلام والمسلمين، وحتى ليس البشر فقط، وإنما كل مخلوقاته، بحسن التعامل، مع الحيوان، ومع الطبيعة، لكنه جعل الإنسان أرقى مخلوقاته، وأول ما حض عليه، هو احترام حياته وإنسانيته.
كما أن هذا البيان، وهو يقول “الحمد لله رب العالمين” فهو أيضاً لم يخصص المسلمين، ولم يميزهم عن غيرهم، وإنما هو رب العالمين كلهم، من ذهب منهم، ومن هم موجودون الآن، ومن سيأتي إلى الحياة، وإلى يوم الدين.
هذا يجعل من (الإخاء في الإسلام) شعاراً جميلاً، لكنه مثل كل المبادئ والشعارات والأهداف، التي تتعلق بالأديان عموماً، والإسلام خصوصا، يحتاج إلى الكثير من التدقيق والتوضيح، وفهم قيمه الإلهية، وأبعاده الإنسانية، قبل أن نتخذه شعاراً، ونتحدث عنه بدون أن ندرك معناه وغاياته.
إن الشواهد من القرآن والحديث، على شمولية الإخاء في الإسلام، أكثر من أن يتسع لها مقال واحد، لكنني سأكتفي بما رواه الإمام أحمد، من حديث عن زيد بن أرقم: أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول بعد كل صلاة: “اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أنك الله وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن محمدًا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة”.
وأهم ما فيء هذا الحديث، هو عبارته الأخير “إن العباد كلهم أخوة” وبالتأكيد فكلمة العباد لا تخص المسلمين وحدهم.
أما البيان الإلهي الوارد في القرآن، والذي يردُ فيه كلمة المؤمن، في معظم ما يتعلق بالعلاقات بين البشر، وأولها {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات:10) وأهم ما في هذه “الأخوة” الإلهية، أنها لا تخص ديناً محدداً، وإنما تشمل كل من آمن بالله، بغض النظر عن مرجعيتهم الدينية، سواء كانت سماوية أو وضعية، ولنتذكر هنا البيان الإلهي، بأن الله لم يترك أمة من الأمم، بدون نبي يهديها، لكن القرآن الكريم لم يذكر كل هؤلاء الأنبياء، وهو ما يؤكده في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ * وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ * فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ وهذا يؤكد أن “معظم” ديانات وثقافات العالم، مصدرها إلهي، وهذا يستلزم علينا تطبيق البيان الإلهي، والمبدأ الإسلامي، باحترام معتقدات الآخرين، والتعامل معهم كأخوة، وعدم شتم وتحقير معتقداتهم، وأرى في كلمة الإمام علي كرم الله وجهه “الإنسان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق” من أرقى وأنبل ما وصل إليه الفكر الإنساني، والقيم الأخلاقية.
وإذا كان الإمام علي، الذي آخاه الرسول في المدينة، ووصفه بقوله “أنا مدينة العالم وعلي بابها” فهذا يعني، أن هذا العبارة العبقرية، تشكل روح الإسلام وجوهره الإيماني، وعلينا تطبيقها، بدل الأفكار التي تحاول حصر الإيمان والإسلام، والإرادة الإلهية، والطريق إلى الجنة، بعدد محدود من البشر، لا قبلهم ولا بعدهم.
قد يكون الوصول إلى هذه النتيجة، يحتاج إلى تحديد مفهوم الإخاء، وهو المأخوذ لغوياً من الجذر “أخ” وسلوكياً من مبدأ الأخوة وهذا يجعله أنواع:
** أخوة الرحم: وهي المتعلقة بالأخوة في الأسرة.
** أخوة العائلة: وهي تتعلق بالأقرباء وأبناء العائلة الواحدة، أو العشيرة والقبيلة، في المجتمعات التي لا تزال تعتمد هذه الروابط.
** أخوة الدين: وهي التي تنطبق من المنتمين إلى دين واحد، ويعتبر الإسلام، الأكثر أخذاً بهذا النوع من العلاقة.
** أخوة الوطن: وهي التي تجمع أبناء الوطن الواحد، بمختلف انتماءاتهم الدينية، والطائفية والعرقية.
** أخوة الإيمان: وهي التي يمكن أن تجمع بين المنتمين إلى مختلف الأديان، التي تؤمن بالإله الواحد.
بالتأكيد الإيمان بكل هذه الأنواع من الأخوّة مطلوب، وكلما ارتقت القيم الأخلاقية والدينية، عند أي أنسان، كلما توسعت دائرة أفقه والأخوة عنده، ونحن من تجربتنا في سورية، كبلد متعدد الديانات والطوائف والأعراق، ندرك بأن ثمة أخ لنا، من انتماء غير انتمائنا الديني، قد يكون أقرب إلينا في الأخوة والروح إلينا من أخ شقيق، وفي هذا تأكيد لقوله تعالى.. ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾.
وطالما أن البيان الإلهي في القرآن الكريم يقول ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا * إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ * إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ فهذا يؤكد أن العباد هنا هم البشر كافة، فهم أخوة بعضهم لبعض، بحكم البنوة لآدم، والعبادة لله سبحانه تعالى.
وفي هذه الآية دعوة إلهية للتعارف والإلفة والمحبة، بين المنتمين إلى مختلف العقائد والأعراق، ومن يعتقد أن الإخاء في الإسلام، يكون فقط بين المسلمين فهو مخطئ، ويمتلك فهماً معاكساً لروح الإسلام الشمولية، وهذا يؤكد أن الإخاء في الإسلام، هو رباط متين، يقوم على المحبة والتعاون والتآخي، ولذلك ينطلق من روابط متعددة، قد يكون الإخاء مع الآخر المختلف عنك في العقيدة، جزء أساسي منها، وهي من روح الإسلام.
إن النظرة الأخلاقية والمنفتحة على الإسلام، تجعلنا نرى أن الإخاء تشريعٌ ربّاني (يخص كل العالم) والمنافسة لتطبيقه يكون من خلال الأفكار والقيم الأخلاقية والإنسانية النبيلة، والتي تشكل روح العبادات الإلهية، وباعتبار أن الإخاء مبدأ إسلاميٌ، فهذا يجعله المعني الأولى في تطبيقه، كنهج حياة وسلوك، ونظرة إلى الآخر، ولكن وفق الأسس والقيم الإلهية، التي لا تتغير حسب الظروف والأهواء، وليس كما يريده السلاطين والحكام، وتجار الأديان.