إعداد الأستاذة بيان بازرباشي
هذا ليس مجرد شعار يطلق ولا منبراً أخر نسمع منه بكل جهل بعقل مغلق بظلام كما اعتدنا أن نكون في السابق
أن تكون إنسانا بفطرتك لا يحتاج إلى فهم كثير ومنشورات وكتب موثقة وأن نتكلم بهذا الموضوع الفطري الذي خلقنا عليه هو عيب بحق بشريتنا
أن تحترم ذاتك وفكرك وأخلاقك وتحترم اختيارات الآخرين باختلاف ديانتهم، وتنوع مذاهبهم، وثقافتهم، ولونهم، وأن يكون لهم حرية التعبير عن أفكارهم بكل حرية ليس أمرا يحتاج إلى إثبات وأدلة ونصوص.
لا تجعل نفسك حاكما على الآخرين فقط لأنهم مختلفين عنك، بل هم مميزون وليسوا مختلفين فقط.
صحيح أننا تجردنا من إنسانيتنا تجاه الآخر، ولكن لا مانع أن نعيد التفكير مرة أخرى بحياتنا أن ننادي بحرية احترام الأخرين كما تحب أن تعامل عامل غيرك.
فالاختلاف بين البشر شيء مميز يعود على الجميع بفكر حضاري جديد وبتنوع يعلمنا ويوسع مداركنا ويجعلنا نعيد التفكير في أسباب وجودنا الأساسي.
-ولو استعدنا حركات التجارب الإسلامية والتجديد عبر التاريخ خاصة في القرن الأخير لوجدنا أن حركات الإسلام السياسي كان لها صدى سيء عبر جميع المراحل والسبب أن هذه الحركات صُبِغت بأهداف سياسية كوسيلة واستخدمت نصوص مفبركة دعت إلى العنف وابتعدت عن الجوهر الحقيقي للإسلام وهذا أدى إلى أن يشعر المجتمع بالخوف والرعب من الإسلام.
ومن ثمرات الفكر النهضوي مشـروع (الجامعة الإسلامية) التي طرحها جمال الدين الأفغاني الذي طالب بالتجديد الإسلامي والفكري والانفتاح على العلم ورأى أن الإسلام يقوم على العقل والعلم الحديث وإعادة صياغة العلاقات الاجتماعية والإخاء بين المسلمين ومن بين إسهاماته إصدار مجلة العروة الوثقى التي بناها مع محمد عبده عام 1884م.
-ولا ننسى الوقوف عند حركة الإمام محمد عبده وهي من أقوى الحركات النهضوية الإسلامية بالمطلق التي حملت في طياتها ومضمونها روح الإصلاح والتجديد وسعت لبناء الجسور وللحوار وأُجهضت بسبب تيارين:
– تيار حمل شعارات الإسلام السياسي للاستيلاء على الحكم واختزل الدين حسب أفكاره الخاصة وأراد فرضها على الجميع بالإجبار في نصوص وشعارات غابت عنها روح الرحمة والسلام دون الاخذ بعين الاعتبار تنوع فئات المجتمع وحرية رأي الأخرين وابتعدت عن الجوهر الحقيقي للإسلام.
– وتيار تشدد باسم التوحيد وربط الشـريعة بالسلطة وبهذا أصبحت الشريعة الإسلامية مصدر خوف ورعب في العالم أجمع سواء الإسلامي أو الغربي.
وأكثر ما يثير تعجبي أن هؤلاء ينتسبون إلى نفس الأمة التي أنجبت أبا العلاء المعري الذي يعتبر مؤسس النزعة الإنسانية في تاريخ البشرية في قوله:
إذا الإنسان كف الشر عني فسقيا في الحياة له ولعيا
ويقرأ إن أراد كتاب موسى ويضمر إن أحب ولاء شعيا
فالعودة إلى إنسانيتنا الدفينة ليست خيانة للدين، بل وفاء له ولن يكون للخطاب الديني معنى إن لم يبدأ من الإنسان نفسه فهو الأصل والمحور ثم جاءت الشرائع لتخاطبه وتخدم احتياجاته وتحمي كرامته ومن المؤسف أن كثيراً من الحركات الإسلامية خاصة ذات النزعة السياسية هاجمت المفاهيم الحقوقية واعتبرت هذه الحقوق الإنسانية دخيلة ومعادية لأنها لا تناسب أهواءهم الشخصية.
ونلاحظ أن العداء الطائفي ما زال متواجدا في تفاصيل حياتنا وبات واضحا أن الصراع بين الطوائف الإسلامية أشد ضراوة من أي خلاف بين المسلم وغيره من أتباع الديانات الأخرى والكثير من التشـريعات انحرفت عبر الزمن عن مسارها الأخلاقي الطبيعي لم تعد منبرا للسلام، بل منبرا للعداء والنزاع.
وهذه الفجوة الأخلاقية والفكرية تستدعي منا قفزة وعي حتمية فنحن بحاجة إلى إعادة تأسيس لعلاقتنا كبشـر أولا لا كطوائف ونعيد النظر في الغاية من الأديان والمذاهب والتشريعات كافة وأن جميع الأديان وجدت لتخدم الإنسان لا لنشر الضغينة، والحقد، والكراهية.
ومن هنا نجد أن محاولات الدكتور (محمد الحبش) إلى إعادة صياغة التراث الإسلامي بطريقة تخفف مخاوف العالم وبعين الحكمة والعقل والرحمة لا بعين الصراع والعداء وأعطت الإسلام حقه الضائع وقدم أفكارا جريئة عن طريق إعادة قراءة النصوص الإسلامية بعين معاصرة وكشف عن الظلم التاريخي الذي تعرض له الإسلام بسبب بعض ممارسات رجال دين متشددين حرصوا على إخفاء نصوص ومفاهيم وتفاسير كانت قادرة على إعادة بلورة نهضة جديدة تقوم على التراحم والتعايش والعدل والسلام وسعى إلى تقديم صورة تبدد المخاوف وتبني الثقة بين الإسلام والعالم أجمع وفي ظلال هذا الوهم من الجمود والتعتيم نشأت حركات وتيارات جعلت من الشريعة سيفا للسيطرة والخوف بدل أن يخلق نهضة قائمة على الإخاء الإنساني تقوم على التعاون الإنساني وتجمعهم تحت قبة واحدة.
ولا ننسـى أن هناك أفكار وتشـريعات إسلامية تقليدية نسخها الواقع حتى زالت من الوجود وانسحبت من الواقع تدريجياً فلم تعد مسألة تصوير حلال أو حرام ذا أهمية وكذلك الرجم وقتل المرتد.
وهذه كلها كان يعتقد أنها أبدية سقطت حين صعد وعي الإنسان إلى مستوى جديد من الرقي والفكر ولم يعد أي شخص يجرؤ على المطالبة بتطبيقها .
وتراجع هذه المظاهر العنيفة هو أكبر دليل على ضرورة الإخاء الإنساني فهو لم يعد خياراً، بل ضرورة بقاء وضرورة حضارية وركيزة أساسية لرسم ملامح مجتمع متكامل يقوم على الانفتاح بين البشر جميعا والدعوة إلى المودة والرحمة بينهم ويوقظ القيم الأخلاقية بينهم بعيداً عن الوهم والعنف
وفي عالم تتسارع فيه الحضارة نحو الانفتاح والتعدد لم يعد مقبولا أن نبقى أسرى لمفاهيم دينية أو فكرية تسعى للقضاء عليه بسبب أنه مختلف
لكي يتقبلني المسيحي يجب ان أقر باختلافه وأحترمه ولكي يتقبلني الملحد أو غير المتدين يجب أن أؤمن بحقه في الوجود لا أن أراه خصما يجب قتاله فالقضاء على المختلف يضعنا في دائرة عنف لا تنتهي عنف يتجدد في الفكر والسلوك والمجتمع.
وإذا أراد المسلمون أن يبقوا جزءا من التطور الإنساني العظيم عليهم أن يعيدوا تنظيم أفكارهم وأن يراجعوا طريقة فهمهم للدين بعيدا عن القرارات المتشددة التي أثبت الزمن كسادها فالإسلام لا يمكن أن يختزل في شعارات ونصوص جامدة، بل هو رسالة رحمة وسلام.
فالإخاء الإنساني لا يُبنى على الزيف والوهم، بل على الجرأة والشجاعة في الاعتراف والتصالح مع المختلف والصدق بالنظر نحو الذات والآخر.