1869-1948
حكيم الهند فيلسوفها وقائد تحررها
تكمن قوة المهاتما غاندي في أنه قدم مفهومأً جديداً للاعنف، فبعد أن كانت هذه الفكرة تلتصق بالكسالى والخاملين والمستسلمين للأقدار أطلق مهاتما غاندي رسالته لإنقاذ الهند وطرد المحتل منها على أساس من قيم اللاعنف، وكانت رسالته واضحة أن اللاعنف ليس أن تقعد القرفصاء في طرف الكوكب وتنتظر الأقدار السارية، بل إن رسالته هي المقاومة والصمود سياسيا واقتصادياً واجتماعياً وحقوقياً، وإنزال أقسى العقاب بالمحتل وإرغامه على اتخاذ قرارات مؤلمة دون اللجوء لأي سلاح أو عنف أو دم.
وفي غمار رسالته واجتماع الهندوس والمسلمين على مبادئه فقد قدم الرجل نموذجاً فريداً في الإخاء الإنساني، وحين كان يواجه بالحركات المتطرفة في الاسلام والهندوسية التي تستهدف دينه وتراثه ووجوده كان يقول: الإنسانية محيط، وليس من العقل أن تحكم ببؤس المحيط إذا صادفت بعض قطرات قذرة.
ونختار في التعريف بغاندي هذا النص للأديب الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله:
من العظماء من يستطيع المؤرخ أن يهمل تاريخ أسرته ولا خسارة عليه ولا على العظيم الذي يكتب تاريخه؛ لأن فهم ترجمته لا يردنا إلى تراجم آبائه وأجداده، ولا يزداد وضوحًا بالرجوع إليها.
ومنهم من ترتبط ترجمته وترجمة أسرته كما يرتبط الفصلان في قصة واحدة، فلا تفصله سيرته عن سيرهم إلا عرض لها بعض النقص، أو بعض الحاجة إلى التساؤل والتفسير.
ذلك هو العظيم الذي تعرف أخباره وأخبار قومه فلا تزال تقول: نعم هذا هو جده الصالح، هذا هو الأب الذي ينجله، هذه هي الأم التي تغذوه بلبانها وتنشئه في حجرها وتلقنه حروفه الأولى.
وغاندي من هؤلاء العظماء، بل من أندر الأمثلة على الصلة بين حياة الأبناء وحياة الآباء.
كانت أسرته أصلح أسرة يخرج منها قديس مثله، وكانت أمه على الخصوص هي الأم التي لا نستغرب خلقًا من أخلاقه ولا عملًا من أعماله، إذا عرفنا سيرتها وعرفنا ما تلقَّاه من كيانها وما تلقَّاه من قلبها ولسانها.
كان جده «أوتاغاندي» رئيسًا للوزراء في «بور بندر» أو البلدة البيضاء، وكان مع اشتغاله بالسياسة رجلًا لا ينسى عهده ولا ينقض وده.
ألجأته صراحته إلى ترك وظيفته والهجرة من بلده واللياذ بأمير إقليم «جوتاجاد»، فلما لقي الأمير سلم عليه بيده اليسرى إيذانًا من اللحظة الأولى ببقائه على عهد أميره الأول، وقال: إن يدي اليمنى هي اليد التي عاهدت بها أمير «بوربندر»، فلا أعاهد بها مرتين!
وكان أبوه كرمشاند غاندي — أو كابا غاندي، كما عرف بين أهله — هو الولد الخامس لجده، والولد الأول من زوجته الثانية — وقد كان وزيرًا في «راجكوت»، ثم وزيرًا في «فانكانار»، ومات وهو يتقاضى معاشًا من حكومة راجكوت …
وفقد كابا غاندي زوجتين قبل أن يتزوج بأم غاندي «بوتلباي» ثالثة زوجاته، ورزق منها بنتًا وثلاثة أبناء: أصغرهم هو «المهاتما» … الذي سمي موهانداس.
وليس «كابا غاندي» قديسًا ولا «مهاتما» كولده الصغير، أو ولده الروح العظيم. ولكن ليس في خلائقه ما يمنعه أن يكون أبًا لقديس أو مهاتما؛ لأنه كان رجلًا صادقًا أمينًا مستقيم الطوية لا يؤخذ عليه، إلا أنه كان غضوبًا في صراحته، إذا كان في الصراحة وفاء بواجب: تطاول بعض كبار الساسة على أميره في غيبته فحفظ الوزير الأمين غيبة أميره ورد على السياسي الكبير سوء المقالة بمثلها، فحبس ليعتذر، فلم يعتذر، فأطلقوه.
وقد يؤخذ عليه أنه بنى بزوجته الرابعة وهو فوق الأربعين، ولكنه لم ينقض بذلك عرفًا ولا خرج على عقيدة، وإنما هي النزعة الجسدية التي ورثها منه ابنه، وغالبها فغلبها حين نذر نفسه للقداسة والجهاد.
أما أمه «بتولباي» فلك أن تقول: إنها قديسة غير ذات رسالة، كانت تكتفي في اليوم بوجبة واحدة من الطعام، وكانت تصوم في معظم الأيام، وكانت على غيرتها الدينية متصرفة في عقيدتها. فقد قيل: إنها نشأت من الطائفة الفشنافية الهندوكية، فتحولت إلى العقيدة «الجينية»؛ لأنها وجدتها أقرب إلى النسك وأقرب إلى الكمال.
منها تلقى الوليد الصغير إيمانه بالصيام، فكان عادة له في حياته الخاصة، وكان عادة له في حياته العامة، بل كان أكثر من عادة في هذه الحياة التي حفلت بأحداث السياسة … كان حصنًا يلوذ به لينتصر فيه أو ليموت، فنذر الصيام خمس عشرة مرة، آخرها صيامه الذي نذره قبيل وفاته لكف عدوان الهندوكيين عن المسلمين، وطال خمسة أيام، وقد طال صيامه خمسة وعشرين يومًا في إحدى هذه المرات.
ومن أمه، أخذ ما كان أفعل في تاريخه وتاريخ الهند كلها من الصيام، وهو الإيمان بعقيدة الجينية في «الاهمسا»، أو الكف عن العدوان.
فلا تنفصل عن «الاهمسا» حركة من حركات غاندي، ولا دعوة من دعواته، ولا علة من علل نجاحه، ولا خليقة من الخلائق التي راض عليها عقله وطباعه، ولا تفهم رسالة لغاندي في السياسة أو السلوك أو آداب الضمير، بمعزل عن هذه «الاهمسا» التي كان أصدق رسول لها منذ ارتفعت بها دعوة في البلاد الهندية؛ لأنه رضعها من ثدي أمه قبل أن يتعلمها من مرشد إلى أدب، أو مبشر بدين.
ولد موهانداس في اليوم الثاني من شهر أكتوبر سنة ١٨٦٩، في بلدة «ﭘﻮربندر» كما تقدم، وهي بلدة من إقليم يقع بين السند وبومباي يسمى الكوجرات، وينفرد بلغته وبعض عادات أهله بين الأقاليم الهندية.
وقد روى لنا غاندي في سيرة حياته أو في اعترافاته شيئًا من المحن التي عرضت له في صباه.
قال: إنه كان جبانًا وكان يستمع إلى الأحاديث عن اللصوص والأشباح والثعابين فيفزع منها ولا يجرؤ على الخروج من بيته في الظلام، ولا ينام في حجرته إلا على نور، وظل كذلك حتى تزوج — وقد تزوج في الثالثة عشرة من عمره على عادة أهل الهند جميعًا من الزواج الباكر — فكان يخجله أن يرى زوجته الصغيرة أقدر منه على مواجهة الظلام.
ونحن ننصف الرجل من تواضعه إنصافًا للحقيقة فيما نراه. فقد يسمى ما وصفه جبنًا، إذا كان الرجل قد عَرفَ في جميع أيام حياته بحادث واحد يشف عن خوف من المخاطر المادية أو ما هو أرهب منها وأهول على الضمير: وهي المخاطر النفسية. وليس من المعقول أن يؤدي الإحساس بالجبن إلى انقلاب في طبيعة الإنسان يجعله من أشجع الناس وأقدرهم على مواجهة الخطوب التي يتقيها أشجع الشجعان، وإنما نسمي «الجبن» هذا بوصف آخر هو الوصف الذي اشتهر به الرجل طول حياته: وهو ملكة التصديق والإيمان، فلا فرق عند صبي مطبوع على ملكة التصديق والإيمان بين شيء يصدقه وشيء يمسه ويراه. وقد كان حديث المردة والشطار والثعابين حديثًا مشاعًا بين أطفال الهند يسمعونه كلما أصغوا إلى أقاصيص العجائز في بيوتهم، فكان يؤمن بوجودهم حيث توهمهم كأنه يلمسهم ويراهم. ونحن لا نصف بالجبن إنسانًا يتقي مكامن اللصوص وجحور الحيات في الظلام، ولكننا نصفه بالحيطة الواجبة على الرجل العاقل، ونلومه إذا استطاع أن يقهر المخاوف فأحجم عن قهرها، ولكننا لا نطلب منه أن يتصدى لقهرها في ليله ونهاره بغير داع يدعوه إلى منازلتها، وهو قادر على اجتنابها.
إلا أن اعتقاد غاندي الجبن في نفسه خطأ له شأن يذكر في تاريخ نشأته؛ لأنه دفع به إلى تجارب نفسية كان لها أثر بليغ في تكوين خلقه واعتقاده.
وخيل إلى غاندي فترة من الزمن أنه ينكر كل عقيدة ويلحد في الله، إلا أنها كلها محنة عارضة لا مفر منها لقديس صغير، فإن القديس الصغير لا يولد وهو قديس كبير، فغشيته الصدمة الأولى كما لا بد أن تغشاه، وكانت غاشية غريبة عن طبيعته ومزاجه وتربيته، فلم يلبث طويلًا حتى ثاب إلى إيمانه وتقاليد قومه. فاجتنب اللحم وعافه حتى بات يتقزز من رؤيته ويفزع من الحلم بمنظره، وكان بره بوالديه — ولا سيما والدته — من أكبر أسباب توبته ورجوعه إلى سالف اعتقاده؛ لأنه أشفق أن يعلما باستباحته أكل اللحم، وهي فظاعة عندهم كفظاعة أكل الخنزير عند المسلم، وأنف أن يكذب عليهما ويلقاهما بالرياء والخداع، ولم يكن من طبعه نهمًا ولا مسترسلًا مع الإباحة والإنكار، فعاد بعد هذه الغاشية إلى إيمان أثبت من إيمان الطفولة وأقوى.
وتزوج غاندي — كما تقدم — على عادة قومه وهو في الصبا الباكر، فخطبت له الصبية «كسترباي» من عشيرته وهو في الثامنة، وبنى بها وهو في الثالثة عشرة، ولم يبلغ العشرين حتى صار أبًا لأربعة أطفال، أكبرهم «هيرالال» الذي مات بعد مقتله ببضعة أشهر، وكانت وراثته «الغاندية» قلقًا دينيًّا خامره منذ صباه، فلم تعجبه الجينية ولا البرهمية، وانتحل الإسلام والمسيحية، واعتزل أهله منذ فارق نحلة الأسرة إلى أن مات (يونيو ١٩٤٨).
ولا يذكر غاندي بالرضى زواجه في هذه السن الباكرة. فكتب في ترجمة حياته أن أهله أصروا على تزويجه وتزويج أخيه، وأحد أبناء أعمامه في يوم واحد «ولم ينظروا إلى مصالحنا ولا عنوا بسؤالنا، كأنما كل ما في الأمر أنهم راضون وأنهم قادرون على تكاليف الزفاف، وليس الزواج عند الهندوكيين بالأمر الهين، فقد يجر الخراب على أسرتين، وفيه ما فيه من تضييع المال والوقت وقضاء أشهر في إعداد الملابس والحلي وأدوات الزينة وإقامة المآدب، ومباراة كل من الأسرتين للأخرى في النفقة؛ لتبذها في السرف ومظاهر الوجاهة.»
وأصاب غاندي في امتعاضه من هذه العادة التي لا خير فيها؛ لأن نفقات هذا الزفاف الضخم قد نالت من ثروة أبيه وهي ليست بالثروة الطائلة. فقد كان الرجل أعف من أن يستخدم منصبه لابتزاز المال، ولعل امتعاض غاندي من تزويجه في هذه السن على غير موافقة منه قد ظل عالقًا بنفسه إلى أن تولى زعامة قومه، فأنحى على هذه العادة أشد إنحاء، واستهدف من جراء ذلك لغضب الكثيرين من المحافظين.
ويمكن أن يقال: إن الصبي القديس كان يقبل على الشيء أن ينفر منه بمقدار نصيبه من اختياره، فنفر في صباه من المسيحية؛ لأن المبشرين بها كانوا يفرضون بشارتها فرضًا على الصغار والكبار، ونفر من الألعاب الرياضية؛ لأنها كانت «مادة إجبارية» في المدرسة، وكان إصغاؤه إلى أحاديث المسلمين عن دينهم أيسر وأسمح؛ لأنهم كانوا لا يقحمونها على مستمعيها.
أما تعليم الصبي فقد اتبع فيه أهله ما يتبع في تعليم الأطفال من أبناء أمثالهم، وكان أبوه في راجكوت حين بلغ موهانداس الصغير سن السابعة أو سن الدراسة الابتدائية، فألحقه بمدرستها وانتظم في المدرسة الثانوية وهو في الثانية عشرة، وقال عن نفسه: إنه كان في طفولته فج الذاكرة فلم يحفظ جدول الضرب إلى بشق الأنفس، ولم يكن من التلاميذ اللامعين، ولكنه كان يقبل على دروسه ولا يتوانى في استذكارها.
ولم يتعلم في المدرسة كثيرًا من الدروس الدينية، ولكنه كان يتلقاها في البيت والمعبد ويعي منها كل ما يلقى إليه.
ومات أبوه وهو في السابعة عشرة من عمره، فكفله أخوه الأكبر، وكان أيضًا أخًا جديرًا بقديس … فإنه توسم النجابة في أخيه الصغير فنسي أثرته ورشح هذا الأخ الصغير للقيام على رئاسة الأسرة، والترقي إلى مركز في الوزارات الإقليمية كمركز أبيه، ولا يهيئه لهذا المركز في عصره إلا تعليم كتعليم الجامعات في الهند والأقطار الأجنبية، فأشار على كبراء الأسرة بإعداد موهانداس لهذا التعليم.
وكان أمامه جامعتان: إحداهما جامعة بافنجار والأخرى جامعة بومباي، وهي أكبر نفقةً مما يطيق، فاختار كلية ساملداس في الجامعة الأولى. وقال: إنه غرق في علومها فنقل إلى بيته بعد نهاية السنة الأولى، فنصحه برهمي صديق للأسرة بالسفر إلى البلاد الإنجليزية لدرس القانون، ومال هو إلى الطب … فذكره أخوه أن أباهما كان يمقت تشريح الجثث، وأن وظيفة الطبيب لا ترشحه لولاية الوزارة، فجنح إلى الدراسة القانونية إكرامًا لذكرى أبيه.
وهنا قامت في وجهه العقبة الكبرى؛ لأن إيغال فتى مثله فيما وراء البحار مستنكر في شريعة الجينيين، ولم يكن في الهند كلها سيدة أشد تحرجًا من مخالفة عقيدتها من السيدة «بوتلباي» والدة غاندي، فضلًا عن تحرج أهله وسائر أقربائه.
إلا أن غاندي الذي شب في صباه وديعًا مطواعًا قد شب كذلك قوي العزيمة لا ينثني عن رأي عقد النية عليه، فلم تنفع حيلةٌ من حيل آله في إقناعه، واستطاع كاهن الأسرة أن يجد للأمر مخرجًا يرضي الأم ويرضي فتاها، فقال لهم: إن النذر باجتناب المحرمات في بلاد الغربة كافٍ إذا وثقت الأسرة من رعاية الفتى لنذره. وكانت الأم تعرف وليدها وتطمئن إلى صدقه في وعده، فأقسم بين أيديهم لا يقاربن امرأة ولا يذوقن خمرًا ولا يأكلن لحمًا أو طعامًا محرمًا … ومع هذا لم يسلم الفتى من غضب المتشددين من كهان عشيرته، فاستدعاه رئيسهم في بومباي وهو يهم بركوب الباخرة إلى البلاد الإنجليزية، ونبهه إلى الخطر على عقيدته من معاشرة الأوروبيين في بيوتهم؛ لأنهم يشربون الخمر ويأكلون اللحوم، ولا يتورعون عن مقاربة النساء. فلم يحفل غاندي بتنبيهه، وأصر على السفر في حينه، فأعلن الكاهن عقوقه وحظر على أبناء العشيرة أن يذهبوا لتوديعه.
ويُمتحن مهاتما المستقبل في هذه الرحلة بالفتنة الكبرى.
فالنزعة المادية طاغية، والإباحة الخلقية فاشية، وفلسفة العصر في أواخر القرن التاسع عشر — بين الجيل الجديد خاصة — أن اللهو حق له بل فريضة عليه. وقد أوشك غاندي أن يطلب هذا الحق ويدين بهذه الفريضة، فتدرب على الرقص وتعلم العزف على بعض الآلات الموسيقية، وصحب رفاقه إلى السهرات وراض نفسه على أدب المغازلة، ثم أحس أنه يتكلف ولا يخف بطبعه إلى استجابة هذه الفتنة. وشاءت المصادفة أن تقترن فلسفة العصر بفلسفة أخرى في البيئات التي تعنيه، وتستحوذ على هواه إذ كانت نهاية القرن التاسع عشر أيضًا فترة الاستشراق، والتوفر على دراسة أطوار الشرق القديم والشرق الحديث: فكثر بين علماء الغرب من يدرس اللغة الهندية ومأثورات البرهمية والبوذية، إما استجابةً لدواعي الاستعمار، أو استجابة لنوازع الروح وامتعاضًا من غواية المادة ولجاجة الإلحاد التي أفسدت على بعض العقول معنى الحياة. وكانت هذه الشواغل القليلة أقرب إلى سليقة غاندي وأقمن منه بالتلبية والإصغاء، فاتصل بالأندية الصوفية، واطَّلع في اللغة الإنجليزية على آداب قومه التي فاته أن يطلع عليها في اللغة السنسكريتية، وعاد من طريق أوروبة الحديثة إلى تاريخ وطنه القديم.
ونال إجازة الحقوق بعد ثلاث سنوات، فرجع إلى وطنه وهو أطيب ما يكون قلبًا بلقاء أمه ووفاء نذره، ولكنه سمع — أول ما سمع — بنعي تلك الأم التي ماتت في غيبته، وكتموا نبأ موتها عنه إشفاقًا عليه من صدمته وسوء وقعه في طمأنينة نفسه وانتظام دراسته، فاستفاد يقينه من هذه الصدمة المفاجئة فائدة لم يطلبها ولم تقع في حسابه؛ لأن وفاءه لذكراها قد ضاعف حفاظه على نذرها، واجتمعت الأمومتان: أمومة الجسد، وأمومة الوطن في أمومة واحدة، وهي أمومة العقيدة الروحية.
وزاول غاندي صناعة المحاماة زهاء سنتين في وطنه، فكانت أول تجربة له فيها إخفاقًا تامًّا؛ لأنه حصر عن الكلام، ولم ينجح فيها بعد تكرار التجربة ولا رضي عن عمله في هذه الصناعة؛ لأنه أخذ نفسه بالصدق في قبول دعاواه، وأنف من اقتناص أصحاب القضايا بالحيلة ومعونة السماسرة. فما هو إلا أن دعيَ إلى أفريقية الجنوبية حتى بادر إلى قبول الدعوة ووصل إلى بريتوريا في سنة ١٨٩٣، وهو لا يعلم بما يضمره له الغيب في هذه الرحلة المفاجئة فقد كانت مفرق الطريق في حياته وفي حياة بلاده على الإجمال.
سافر غاندي إلى أفريقية الجنوبية بدعوة من بعض الشركات الإسلامية التي كانت تتجر على شواطئ المحيط الهندي من أقصاه إلى أقصاه، ولم يدع للمحاماة، بل لمساعدة المحامين الكبار من الإنجليز؛ لأن المحامي الإنجليزي هو الوكيل القضائي الذي يسمع له صوت في محاكم أفريقية الجنوبية.
ولكنه ذهب في الواقع إلى تلك البلاد لأمر آخر مطوي عنه وعن موكليه في عالم الغيب المجهول.
ذهب ليتلقى رسالته في حياته.
فتلقى رسالته وعرف قضيته ووضع قدمه على فاتحة الطريق التي انتهت به إلى زعامة الهند كلها، بعد جهاد طويل دام نحو عشرين سنة، ووضع هناك (سنة ١٩٠٨) دستور الهند في جهادها السياسي والأخلاقي، فكان هو الدستور الذي قاد به الهند إلى استقلالها.
في أفريقية الجنوبية ضربَ غاندي وأُهين؛ لأنه اجترأ على النزول في الفنادق الأوروبية والركوب في السكك الحديدية مع الأوروبيين، وكاد أن يُحرق حيًّا في النزل الذي أوى إليه بعد العودة من زيارة قضاها في بلاده؛ لأن «البيض» قد حسبوا أنه مهد السبيل في هذه الزيارة لإغراق أفريقية الجنوبية بالعمال الملونين.
وهناك عرف القوانين التي كانت تفرض الحيف فرضًا على الأسيويين والأفريقيين من الشعوب التي يسمونها بالشعوب الملونة، ولا سيما طوائف الزراع والصناع.
وهناك ألغى أعماله كلها ليعيش عيشة الفاقة والضنك مع أولئك البائسين، ويشاطرهم الظلم الذي يخضعون له ويريد أن ينقذهم منه. فأنشأ لهم مزرعة يعملون فيها كما يعمل ويعيشون فيها عيشة الكفاف؛ ليحطموا قوانين الحكومة الظالمة بالصبر والمقاومة السلبية، وسماها مزرعة تولستوي.
ونزل الفتى النظري الروحاني في معركته السياسية الأولى إلى ميدان كله عمل ومادة؛ لأنه عالم السلاح والمال، ولكنه — عند النظر إلى الوسائل والنتائج — قد كان في ميدانه هذا عمليًّا أنجح من العمليين، وقد بُلي منه العمليون بخصم جديد لم يعهدوا مثله قط فيما عهدوه.
غاندي في الجامعة.
لقد عهدوا من معارضيهم حملات الصحافة، ولم يهمل غاندي هذه الحملات؛ لأنه تولى تحرير صحيفة سماها (الرأي الهندي) تصدر بالإنجليزية وثلاث لغات هندية، ولكنها لم تكن قصاراه من الكفاح.
ولقد عهدوا من معارضيهم حملات المنابر، ولم يهمل غاندي هذه الحملات؛ لأنه كان يخطب ويقنع، ويخاطب المتعلم والجاهل بما يفهمان، ولكنها كذلك لم تكن قصاراه من الكفاح.
إنما السلاح الجديد الذي جاءهم به هو سلاح لم يخافوه قط ولم يحسبوا يومًا أنه يخيف لو أنهم عرفوه، وذاك هو سلاح المقاومة في غير عنف، أو سلاح المقاومة السلبية كما عرفه ولاة الأمر في حكومات الجنوب.
كان بعض الهنود ينقادون لغاندي في حملات المقاومة السلبية؛ لأنهم يؤمنون مثله باجتناب العنف والتورع من إزهاق كل حياة.
لكن عمال الجنوب فيهم صينيون وأندونسيون، وفيهم هنود غير مؤمنين بالنحلة التي يؤمن بها الزعيم، وفيهم زنوج ووثنيون لا يعرفون من الأديان غير أديان الهمجية الأولى.
وكانوا مع ذلك يطيعونه جميعًا ويعملون بما أرادهم عليه؛ لأنهم مطمئنون إلى إخلاصه الذي لا تشوبه شائبة ولا ترتقي إليه مظنة.
هذا الإخلاص النزيه هو العنصر الذي جهله ولاة الأمر، واستخفوا بالمقاومة السلبية لجهلهم بفعله في هذه الحركة، وفي كل حركة سياسية.
فلما التقاهم به الفتى القديس وجدوا منه ما لم يجدوه من قبل في خصومات الساسة، ومشاغبات الدعاة.
ترك غاندي كل عمل فيه ربح مالي، ووقف ما عنده من المال على معونة المعوزين من المظلومين، وسكن من حيث كانوا يسكنون، وأكل مما كانوا يأكلون، ونزل بالسجن مرات حيث ينزلون، وهجر الحضارة وزينتها في الملبس والشارة، وعرض نفسه لكل مهانة يتعرض لها أضعف الضعفاء وأفقر الفقراء.
فأغمضوا العيون وفتحوا البصائر واتبعوه.
وهكذا يصنع الأتباع مع كل متبوع لو وجدوه، ولكنهم لا يجدونه واحدًا فردًا بين عشرات ومئات.
وأوصاهم إذا كفوا عن أعمالهم أن يكفوا عن إكراه من يعمل على ترك عمله، وأن يكفوا عن مقاومة الجند الذين يسوقونهم سوقًا إلى المصانع والمزارع؛ لأن الجند لن يحركوا أيدي العمال بالفئوس والآلات إذا شاءوا أن ينبذوها ولا يحركوها، أما إذا ضربهم الجند أو جرحوهم أو قتلوهم فليصبروا وليصبروا، وليطيلوا الصبر بغير سأم … إن المعتدي خليق أن يسأم عدوانه قبل أن يسأموا الصبر على ذلك العدوان. وقد جعلهم يَتَحدَّون أوامر الحظر في الأماكن الممنوعة فذهبوا إليها بالألوف وحيروا الحكومات والمحاكم؛ لأنهم لا يبالون السجن ولا تتسع السجون كلها لهذا العدد الكثير من السجناء.
وكان يجمع من المال ما وسعه أن يجمع لتموين العمال المضربين، ويمضي في تنظيم المزارع النموذجية ليستخرج لهم منها بعض القوت الكفاف، وهو أكثرهم في العمل وأقلهم في نصيبه من الغذاء، وليست وسائله هذه بالوسائل التي تغني في انتظام معيشة يعتمد عليها الألوف من العمال المضربين إلى أجل طويل، ولكنها كافية لتعجيز المصانع والشركات عن الانتظام، أو تعجيزها عن مقاومة الإضراب وذلك هو المقصود.
وطال صبر الفتى القديس عشرين سنة، ولم يطل صبر المصانع والشركات، ولا صبر الجند وولاة الأمور، فانتصر وانكسروا وأفلحت هذه المقاومة العجيبة في تحطيم سلاح القوة وتحطيم سلاح القانون. واضطرت حكومات الجنوب إلى نسخ كثير من القوانين التي تحجر على حرية العمال الملونين في الإقامة، أو تقتر عليهم في الأجور، أو تسومهم الطاعة لما لا يطاق من الغبن والإجحاف.
غاندي في أفريقية الجنوبية.
وكأنما كان غاندي يحس في أيام أفريقية الجنوبية أنه قد نوى الصمود على جهادٍ لا تجدي فيه أنصاف القوى، فلا غنى له عن عدته الروحية الكاملة، أو لا عدة له على الإطلاق.
ففي أفريقية الجنوبية — وهو يناهز السادسة والثلاثين — نذر النسك والتبتل، أو نذر ما يسميه الهنود «بالبرهماشاريا» أي: الإعراض عن الجسد والسلوك إلى الله، واتفق وزوجه على هذا النذر، فأصبح يدعوها بعد ذلك «با» أو يا أماه.
وللروح — إن صح التعبير — عضلاتها كما للجسم عضلاته، وللصراع في إبرام تلك العضلات أثر كأثره في إبرام هذه العضلات. فلما عاد غاندي إلى الهند بعد صراعه الطويل في أفريقية الجنوبية، عاد بروح قد عرف كيف يلوي الحديد.
عاد إلى الهند بعد نيف وعشرين سنة (١٩١٥)، فإذا بسمعته تسبقه إلى كل بقعة من بقاعها: سمعة القديس بل سمعة المخلص الموعود أو «الأفاتارا» Avatara الذي تنتظره الهند أبدًا في أزمة الضيق والأمل.
وكان أمل الهند في الخلاص قد تجدد في أوائل القرن العشرين. لأن أبناءها الذين خيل إليهم زمنًا أن الاستعباد ضربة لازب عليهم وعلى أمثالهم من الأسيويين، قد أفاقوا يومًا فإذا بدولة أسيوية لا تبلغ عدتها خُمس عدتهم قد سخرت الجيوش والأساطيل على أحدث نظام، فقهرت بها دولة من أكبر الدول شهرة بالقوة والبأس بين الهنود والأسيويين على التعميم. كانت غلبة اليابان على روسيا مبعث رجاء جديد في جميع الأقطار الأسيوية التي منيت ببلاء الاستعمار، وجاءت الحرب العالمية الأولى بعد ذلك بأقل من عشر سنوات، فكشفت لأبناء الهند عن حاجة الدولة الأوروبية الأولى — الدولة التي تسيطر عليهم — إلى معونةٍ منهم لمقاومة خصومها أو لإنقاذ كيانها.
فعلموا أن رضاهم شيء يؤبه له، أو شيء له ثمن يؤديه القوي المسيطر عليهم، وهو راض أو كاره.
وفي هذه الآونة عاد غاندي إلى بلاده، فلا جرم يحسبونه قد هبط عليهم من السماء في ساعة الضيق وساعة الرجاء.
ولم ينغمس غاندي بادئ الأمر في لجة السياسة الهندية التي كانت تضطرب بالخصومات الحزبية والطائفية في تلك الآونة، لعله أخذ في ذلك بوصية الزعيم جوكهيل Gokhale الذي نصح له بمراقبة الحالة سنة كاملة ريثما يستجمع فكره على رأي يستخلصه من تجاربه ومشاهداته، أو لعله آثر بطبعه إصلاح الأخلاق وتقويم المجتمع ومساعدة العمال والزراع على طريقته التي جرى عليها في أفريقية الجنوبية. فسعى في إنصاف العمال والزراع بالحسنى أو بالمقاومة السلبية، وطفق يجول في الريف ويتنقل على قدميه من قرية إلى قرية؛ ليرفع من شأن الطبقة الفقيرة في القرى بما استطاع. وبدأ منذ هذه الرحلات القصيرة في مقاطعة الآلة الحديثة كلما أمكنه أن يقاطعها، فلم يركب السيارة ولا القطار، إلا حيث كان الركوب ألزم للرحلة من المسير على الأقدام.
ولم يلبث أن طارت شهرته بالقداسة، بل بالكرامة والخارقة المعجزة، فأخذ الناس من ثم يروون عنه الخوارق التي كان هو أول المكذبين لها، ومن تلك الآونة تعود القديس أن يرى في طريقه أمهات يلمسنه بأطفالهن الصغار طلبًا للبركة والهداية، وعجائزَ ضريرات يعز عليهن أن يعبرن طريقهن دون أن يعرج عليهن، فيترصدن في مجاز السيارة ليلمسنها ولو على خطر الموت، إن فاتهن أن يسعدن بمصافحة القديس العابر في الطريق، وتعاظمت هذه الشهرة في الاستفاضة والرسوخ حتى جاء يوم من الأيام، بعد فترة من الزمن، آمن فيه عامة أهل الهند بأن الزلزال الذي أصاب «بيهار» إنما كان عقوبة إلهية أرسلها الله على القوم؛ لأنهم لم يستمعوا إلى عظات غاندي في معاملة المنبوذين.
ولم يكن هذا إيمان العامة وحدهم، بل كان من راجات الهند وخاصتها من يرفع صورة غاندي في قصره تيمنًا بقداسته، وإن خرج بذلك على مقتضى التقية في مسلك الأمراء والعظماء.
كانت هذه الشهرة المقدسة تتجمع حول غاندي يوم جذبته السياسة إليها جذبًا على غير اختياره.
وكان أهل الهند يومئذ في سياستهم الوطنية على مذاهب شتى: فريق يجنح إلى الثورة الدموية، وفريق يجنح إلى التعاون مع الإنجليز تمهيدًا لبلوغ المزيد من الحقوق الدستورية، أو حقوق الحكومة الذاتية، وفريق يجنح إلى عدم التعاون استعجالًا لبلوغ هذه الغاية.
وليس في هذه الأحزاب كلها حزب يحجم عن عمل من أعمال العنف، أو أعمال الغيلة والفتك، إذا أحرجته الضرورة إليه.
وكان على زعامتهم جميعًا في أوائل القرن العشرين رجل من أعظم نوابغ الهند في الزمن الحديث، وهو «لوكمانيا بال جانجدبار طيلاق».
ولقد كان طيلاق عالمًا واسع المعرفة بالعلوم الرياضية والثقافة الهندية والغربية، قويم الخلق، عالي النفس، قوي الشكيمة، صعب المراس، يقول فيه غاندي: إنه لو ظهر في الزمن القديم لكان من مؤسسي الدول والعروش.
وأكبر الظن أنه لو عاش طيلاق وطال به العمر، لوقعت النبوة بينه وبين غاندي في برنامج السياسة الوطنية؛ لأنهما مزاجان متباينان، ولكنه قضى زمنًا في السجن ثم قضى نحبه في سنة ١٩٢٠، قبل أن تنعقد الزعامة الإجماعية لغاندي، فظلا مدى الحياة على الوفاق.
وكأنما كانت الهند تروز مكان الزعامة منها حتى وجدت زعامتها التي تلائمها، بعد هذا التمهيد من تطور غاندي وتطور الحياة الشعبية في بلاده، فلما تولى غاندي زعامتها تولاها زعامة هندية وروحانية توائم الهند كل المواءمة، وتصلح لها حيث لا تصلح الزعامات على منهاج الشعوب الأوروبية.
ويبدو لنا أن صفات غاندي كلها قد رشحته لهذه الزعامة الروحانية، حتى عيوبه الظاهرة، فإن القماءة والضآلة والانكسار نقص في الزعيم، ولكنها في الداعية الروحاني كمال أو توفيق حسن بين دعوته ومرآه، وقد اقترنت صفاته جميعًا بالإخلاص الذي يعلو على الشبهات، فكانت شهادة له عند الخصوم كما كانت شهادة له عند الأصدقاء.
قلنا حين كتبنا عنه قبل نيف وعشرين سنة: «لم يظهر بعد طيلاق الزعيم الهندي الذي مات في الأعوام الأخيرة زعيم كان أجل خطرًا وأبعد صيتًا، وأكثر أتباعًا من غاندي، هذا الذي لقبه قومه بالنبي أو القديس. وقد اعتاد غاندي أن يقول عن سلفه الراحل: إنه لو ظهر في القرون الغابرة لأنشأ له دولة وعرشًا، وهو إنما قال فيه هذا القول لما عرفه من شدة مراس طيلاق وقوة شكيمته وبعد أمله واعتداده بنفسه وبروز شخصيته. ولا نظنه إلا كان شاعرًا بالتفاوت بينه وبين صاحبه في هذه الخصال حين التفت إليها ونوه بها أكثر من مرة، فإن الاختلاف في الخلق من هذه الناحية هو أوضح مواضع التباين بين الرجلين: صاحب العرش الذي تأخر به الزمن عن عرشه، والنبي الذي لم يتأخر به الزمن عن شرف النبوة!
«والعهد بالأغلب الأعم من أبطال النهضات، وقادة الحركات الاجتماعية والسياسية أن يكونوا صعاب الطبائع ضخام الأنانية، أولي طمع وكبرياء، وأنهم إلى أخلاق الغزاة الفاتحين أقرب منهم إلى أخلاق الأنبياء والنساك. ولو قدر للهند ألا يتولى الزعامة فيها أحد من غير ذلك الطراز الذي نبغ منه طيلاق لما سمعنا باسم غاندي قط، ولما كان له دور يؤبه له في رواية الهند الحديثة … نعم فليس غاندي بذلك الرجل الجبار بشخصيته، الغلَّاب بحيلته، ولا هو بالمزاول المداور، القوي العارضة، الخلاب الفصاحة، ولا هو بالرجل الذي تروعك هيئته، وتستحوذ على إعجابك هيبته، لا بل خلاف ذلك يراه واصفوه من أتباعه وغير أتباعه يقولون: إنهم يبصرونه في ضواه، ونحافة جسمه، ورخامة صوته، ووداعة نظراته، فكأنما يبصرون طفلًا صغيرًا لا بطلًا مسموعًا يقود الملايين وينهض لمناوأة أكبر دولة في الأرض. وقد رأيت له عدة صور مطابقة لهذا الوصف، وقرأت أخباره مع حكومة الهند، وأساليبه الغريبة في مصاولتها، فلم أشك في أن رؤساء الحكومة هناك كانت تمر بهم لحظات لا يتمالكون فيها من الابتسام لهذا القدر الذي امتحنهم بكفاح هذا النبي السياسي، فأصبحوا أمام حملاته التي كان يصبها عليهم صبًّا لا يدرون في أي باب يسلكونها: أفي باب اللدد في الخصومة، أم في باب عناد الطفولة الطاهرة البريئة؟ ولا يكادون يعلمون هل يجدُّ هذا الخصم العنيد، أو هو يداعب حكومة الهند برهة، ثم هو تاركها وشأنها حين يلهمه هواه.
إلى هذا الحد يتصور الفكر غاندي غير مطبوع على إثارة البغضاء، وهي خصلة أفادته أجل فائدة في مهمته التي قيضته الظروف لها، وما كانت لتقيض لها رجلًا هو أخلق بها منه … إنها كانت مهمةً صاحبها في غنى عما يتصف به الزعماء الجبابرة من خلق غضوب يستنفرون به في جانبهم وجانب خصومهم أقصى ما عند الفريقين من نعرة الجنسية وعداوة العصبية، فهي مهمة جهاد سلمي، سلاحها الرفق والصبر، وأصلح الناس لقيادتها ذلك الرجل المسالم بطبعه، الوديع بحكم تكوينه، الذي يحذِّر أتباعه أشد الحذر من مقارفة العدوان والعنف، ويقول لهم: إذا كان لا بد من العدوان فكونوا أنتم ضحاياه ولا تكونوا أنتم جنَاته، ويعظهم أن يعلوا بأنفسهم عن غضب السباع وشراسة الحيوانية، وهي كذلك مهمة تأليف بين عنصرين فرقتهما ترات تاريخية كانت إلى عهد قريب تسيل الدماء، وتذكي ضرام البغضاء، وتبعث الأنفة والاعتزاز بالآباء، فكلما كان القائم بها سهل العريكة، بعيدًا عن الكبرياء الشخصية والخنزوانة الدينية، كان ذلك أعون له على الإصلاح والتوفيق ومسح الترات، ولمِّ الصفوف، وهي مع هذا وذاك مهمة قناعة وإعراض عن لذات المدنية وغواياتها، ومن لها غير غاندي المتواضع المتقشف، القانع باليسير من الغذاء والرخيص من الكساء؟ لو أنه كان من رجال المطامع، وعشاق الدنيا المفتونين بجاهها وزينتها ولذاتها وملاهيها — أتراه كان يخطر له أن يتخذ نفسه قدوة لاتباع دعوته، فيغدو ويروح في ثياب من أرخص ما تنسج الهند، أو يعيش على الفاكهة والأرز المسلوق؟ لقد صار للدين ومكارم الأخلاق كل ما عمله غاندي ونطق به، حتى الدعوة إلى نبذ مظاهر المدنية الغربية قد وجد لها حجة من مكارم الأخلاق تحث عليها، فكان يقول لجماعته: «إنني لأستحيي أن أخاصم رجلًا يمن علي بنسج ملابسي …» وما هو بهازل ولا متكلف فيما يقول.
ويخيل إلي أن ضمور الشخصية أفاد غاندي أكثر مما أضر بنفوذه، وأكسبه من الأنصار أكثر ممن أبعد عنه، إذ كانت الشخصية الضامرة هي التي ساعدته على بلوغ تلك المنزلة الدينية الرفيعة، التي مهدت له سبيل التمكن من أقوى جوانب النفس الهندية — وهو جانب الشعور الديني — فإنه ما زال من سمات النساك والروحانيين بساطة المظهر وخشوع النفس والجسم، والبعد عن صور السطوة والوجاهة الدنيوية، بذلك يتسم النساك الصادقون، وكذلك يتراءى للناس النساك المتصنعون، فصاحبنا غاندي في بنيته النحيلة وقده الصغير، أصدق عنوان للزهد والورع وأقرب صورة إلى الصلاح والتقوى. ويمكن أن يقال على سبيل المجاز: إن الطبيعة تورعت في تركيبه فلم تعمد إلى البذخ والروعة، فكان الرجل متقشفًا في الحياة، وكانت الحياة متقشفة فيه.
وكثيرًا ما رأينا الكبراء، من ذوي الصلف والنفوذ يقبلون الطاعة لأمثال غاندي ممن لا سلطان لهم في ذواتهم، ولكنهم مظهر من مظاهر سلطان الله، الذي لا يتعالى على سلطانه عظيم ولا حقير: يقبلون الطاعة له، ولا يقبلونها لمن يتقدم إليهم بمزايا من جنس مزاياهم؛ لأن الأول يترك لهم الدنيا التي هي موضع تفاخرهم وتناحرهم، ومثار التنافس والحسد بينهم، فيخرجونه من ميدان المنافسة، ولا يرون في أنفسهم غضاضة من تقديمه عليهم جميعًا، والثاني يتقدم إليهم بحظه من تلك المزايا لينافسوه أو ليستكبروه عن منافستهم، فيسلمون له عند العجز مجبرين أو مختارين كمجبرين. وللضعيف الهيئة في بعض الأحيان أن يغتبط بضعفه الظاهر، ويحمد عواقبه لأن الناس لا يكلفونه ما يكلفون القوي ولا يقيسون أعماله بمقياس ذوي القدرة والخطر … يستكثرون منه القليل إذ يستقلون من غيره الكثير، ويعجبون منه بما ليس يعجبهم من سواه، مثله في ذلك كمثل الطفل الصغير يرفع اللبنة فتسير بحديثه الأمثال، وليس هذا ولا أضعافه مما يذكر للرجل الكبير.
… إن غاندي كما رأينا مما تقدم صاحب زعامة خاصة بموقفه ومهمته، أي: إنه لم يُخلق ليكون زعيمًا على كل حال، ولا نقول ذلك بخسًا لشمائل الرجل ولا تنقُّصًا من قدرته، فإنه فضلًا عن فصاحته وسهولة اجتذابه للسامعين حاصل، كما نعتقد، على صفتين من ألزم صفات الزعامة على الناس، بل هما ألزم صفاتها قاطبة ولولاهما لما أفلح داع قط، ولا استحق الكرامة زعيم، وهاتان الصفتان هما: الإخلاص والإيمان.
فإخلاص غاندي فوق كل شبهة، وإيمان غاندي قد صفَّته المحن ومحضه النسك، وتنزه عن الشكوك الهادمة والوساوس القاتمة … عرف له إخلاصه وإيمانه أبناء قومه فعظموه وأكرموه ورفعوه بينهم مكانًا لا مطمع فوقه لطامع، وما أدراك ما مكانه عندهم؟ إنهم يلقبونه: النبي أو الروح العظيم (ماه-آتما) وهي منزلة ليس بعدها ولا أرفع منها في دين البراهمة إلا منزلة واحدة … هي الروح الكلية (بارام-آتما) وهي روح برهما: روح الله.
1930-
الدالاي لاما (6 يوليو 1935م– حتى الآن) هو القائد الديني الأعلى للبوذيين التبتيين وحتى عام 1959 م كان الدالاي لاما يمثل القيادتين الروحية والدنيوية في إقليم التبت. وهو بطبيعة الحال راهب بوذي يلقب ملك التيبت وخليفة بوذا في نظر أتباعه.
كان دلاي لاما الرابع عشر آخر من حمل هذا اللقب وهو من مواليد شنغهاي وكان يبلغ الرابعة من عمره عندما اعتبره فريق من اللامات خليفة دلاي لاما الثالث عشر. ثم نصّب في لاسا عام 1940 وأصبح يعتبر «بوذا الحي».
دالاي تعني المحيط باللغة المغولية، جياستو بالتبتية تعني محيط الحكمة، أما لاما فتعني السيد الروحاني. كان الدالي لاما يمثل مع الوصي على العرش والحكومة التبتية النظام الثيوقراطي الذي حكم التبت منذ عام 1642 م حتى عام 1959 م تاريخ نفي الدالاي لاما الرابع عشر تينزن غياتسو إلى الهند بيد الحكومة الصينية الشيوعية والتي كانت قد احتلت التبت عسكرياً عام 1949 م. ولا يزال الدالاي لاما يعيش في المنفى إلى الآن.
يؤكد الدالاي لاما على دور أساسي للقادة الدينيين والإنسانيين لإعادة الاتصال بالطبيعة وإنقاذ الكوكب ، ويقول: أن جميع البشر السبعة بلايين هم نفس الشيء في الأساس من حيث أنهم يعانون من نفس المشاعر ويسعون لعيش حياة سعيدة. هذا هو الأساس الذي يتحدث على أساسه عن وحدانية الإنسانية. إن زراعة بيئة صحية ليست مجرد مسألة حماية بلدنا أو قارتنا ، إنها تتعلق بحماية الكوكب بأسره وضمان حياة آمنة وسعيدة للبشرية جمعاء.
في السادسة من عمره التحق بدير بوذي للتعلّم، “واستقرّ على عرش الأسد في قصر “بوتالا” الفخم العظيم، في “لهاسا” العاصمة، وعمره 14 سنة… وكرّس نفسه فيه لدراسة “الإلهيّات البوذيّة” و”الفلسفة البوذيّة”… وفي الصيف كان يقيم في دير منعزل في قصر “نوربولنجا” خارج المدينة” (معدّي، 2012، ص43). وقبل بلوغه السنّ القانونيّة بسنتين، سلّمه كبار القادة في البلاد مقاليد السلطة السياسيّة رئيسا للدولة والحكومة، ولم يكن له من العمر سوى 16 سنة، وكانت التبت مهدّدة بخطر الاجتياح الصيني. وقد عمل جاهدا لإقناع الصينيّين بضرورة احترام خصوصيّة التبت، وعدم انتهاكها، لكنّ مجهوداته ذهبت سدى؛ فقد دخل الجيش الصيني بلاده، وقتلوا الرهبان، وأعدموا آلاف الرجال، وأخضعوا الأطفال للعمل الإجباري، وعذّبوا النساء والشيوخ… وفي سبيل الدفاع عن شعبه، كسر “كينزين جياتسو” العزلة التقليديّة المفروضة عادة على منصب الدالاي لاما، والتقى الزعيم الصيني “ماوتسي تونج” في بيكين سنة 1954، ولكنّ تراجع الصين عن وعودها اضطرّه إلى الفرار إلى الهند مشيا على الأقدام، حيث استقبله رئيس وزراء الهند “نهرو”، ومنحه حقّ اللجوء السياسي، فاستقرّ رفقة حكومته بمدينة “دهارمسلا”… وسعى إلى التعريف بقضيّة التبت، من خلال التقدّم سنة 1987 بخطّة سلام متكوّنة من 5 نقاط، اعتبرت من أكثر الوثائق رقيّا في التاريخ، إذ دعا فيها إلى تحويل التبت إلى منطقة سلام آمن، وحماية الإنسان والطبيعة فيها. وفي الوقت الذي رفضت فيه الصين قراءة هذه الخطّة، قرّر البرلمان الأوروبي الاعتراف بالحكومة التبتيّة، وزعيمها الدالاي لاما ممثّلا وحيدا شرعيّا لشعب التبت. وقد حاول الصينيّون اغتياله، بدعوته إلى عرض عسكري، لكنّ أنصاره منعوه من حضور هذا الحفل.
ومن عباراته المشهورة “ديني الحقيقي هو الرحمة”. وقد أسّس في الهند قرية للأطفال، وجمعيّة للرقص والمسرح ومكتبة، ومركزا للطب والتنجيم، ومعبدا لدراسة الفلسفة البوذيّة، وأصدر دستورا جديدا لبلاده التبت، أولى فيه أهمّية كبرى للتعليم.
من مؤلّفاته: “الحرّيّة في المنفى”، “أرض شعبي”، “محيط الحكمة”، “سياسة الرحمة”، “حياة طيّبة… موت طيّب”.
يعتبر الدالاي لاما الحكيم التيبتي واحداً من أبرز دعاة الإخاء الإنساني في العالم، وقد حاز على جائزة نوبل للسلام سنة 1989،وعلى الرغم من تمسكه الشديد بالحقوق السياسية لشعب التيبت ولكنه لم يحول خصامه السياسي إلى صراع وكراهية، ونجح في تقديم رسالته للعالم شريكاً لخصومه وليس عدواً لهم.
سجلت للدالاي لاما مواقف نبيلة وقوية في الإخاء الإنساني ويسجل له ووقوفه الحازم ضد التطرف البوذي الذي مارس مظالم قاسية ضد المسلمين الروهينغا، وقد أعلن مراراً أن هذه الممارسات تعتبر نقيضاً لكل قواعد الإيمان والروح.
” وقد حظيت إنجازاته بالإعجاب والتقليد من قبل شخصيات مثل نيلسون مانديلا والأسقف توتو ومارتن لوثر كينج في الولايات المتحدة الأمريكية