يعتبر المعلم جودت سعيد، أطال اللّه عمره، أكثر القادة الإسلاميين المعاصرين وضوحاً في اختيار إخاء الأديان وكرامة الإنسان، حيث قدم للمكتبة العربية سلسلة كتب تشرح عمق رؤيته الإنسانية وإخاء الإنسان للإنسان، ودعوته الجريئة لنبذ العنف كله، ومن أبرزها: حتى يغيروا ما بأنفسهم، وفي الآفاق والأنفس، ومذهب ابن آدم الأول
يؤسس جودت سعيد لوعي مختلف عن الدين، جوهره الإنسان، ويعتبر الإنسان محور الرسالة والنبوة، وبذلك يكون النص في خدمة الإنسان وليس الإنسان في خدمة النص.
ويبني جودت سعيد رؤيته وفق قانون السنن في الآفاق والأنفس، ويعتبر أن السنن حين يحكمها العلم دراسة وضبطاً وتجربة فإنها تغدو مصدراً حقيقياً للتشريع لا يقل برهاناً عن نصوص الوحي، بل يصبح حاكماً على النص ومفسراً له وموجباً لتأويله، فالوحي قرآن والسنن برهان، وحين يتحقق الوعي فسيكون لدينا قرآن مسطور وقرآن منشور، ومصحف متلو ومصحف مجلو، وآيات الله في المخابر أكثر من آياته على المنابر، وكل نص شارح مهما كان بليغاً فلن يكون أبلغ من الحقيقة نفسها، فكل شرح للوردة مهما كان فصيحاً وشاعرياً ومقدساً فإنه في النهاية يذوي في قوة التعبير عندما تحضر الوردة نفسها كحقيقة ملموسة تراها العين، وتلمسها اليد، وتشمها المشاعر.
كل سنة من سنن الله يحسمها العلم ويتفق عليها العقلاء تغدو برهاناً شرعياً له قوة الوحي، بل هو في الحقيقة الوحي الثاني من الله، حيث يعيش المؤمن بين وحي الغيب ووحي الشهادة.
ويتحدث جودت سعيد عن الأديان بوصفها مشروعاً إلهياً واضح الغايات والمقاصد {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} فجعل القسط والعدل غاية مجيء النبوات، وسر استخلاف الإنسان في الأرض، وعندما تضع الإنسانية قواعد العدل والقسط والبر، وتنجز ذلك على الأرض ويتفق عليه الناس؛ فإن أهداف النبوة ومقاصد الأنبياء باتت تتحقق تماماً بدلائل الشهود كما تحققت من قبل بدليل الغيب.
وأشير هنا أنني كنت أستضيف الشيخ جودت باستمرار في قاعة مركز الدراسات الإسلامية بدمشق، حيث كان يلقي محاضرة شهرية، وأسجل من كلامه هذه العبارات، أرويها عنه بمعناها، وهي معروفة لمحبيه ومتابعيه، حيث يكررها بصور متعددة في سائر محاضراته:
«إن الإنسانية تتوزع في أمم وشعوب، وليس الإنسان من اختار مكانه على هذا الكوكب، ويولد الناس في الهند هندوساً، وفي الحجاز مسلمين، وفي تايلاند بوذيين، وفي أوربا نصارى، ومن بؤس الظن بالله أن نتصور أن حسابهم سيكون على وفق تصوراتنا ومعاييرنا، بل وفق قانون إلهي محكم {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى} (النجم/39-40) {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} (الزلزلة/7-8).
وفي سياق آخر قال: المسلمون تقبلوا السنن الكونية بعد صدود طويل، والطباعة والهاتف والتلفزيون والتصوير ظل حراماً في نظر كثير من المشايخ سنين طويلة، والمشايخ حرموا طباعة المصحف ثلاثة قرون، ولكن بعد ذلك تقبل المسلمون هذه السنن الكونية… وأصبحنا اليوم نستغرب كيف كان آباؤنا ينكرون ذلك؟؟
وقال: ذات يوم سيستغرب أحفادنا كيف كنا نرفض السنن الاجتماعية في المساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الدين والتعبير وحقوق المرأة وتداول السلطة.
الإنسان حر في الدين أو في الإلحاد، والمرأة والرجل أحرار فيما يلبسون، والمجتمع حر في اختيار شريعته إذا مارس الشورى، والدين لله والوطن للجميع.
ثلاثة أمراض حذرنا القرآن منها… ولكننا سقطنا فيها:
{وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى….} وقلنا مثلهم.
{وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليس اليهود على شيء….} وقلنا مثلهم.
{وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ….} وقلنا مثلهم.
متى ندرك أن الله لا يحابي على سواد العيون، وأن أهل الشام ليسوا أقرب إليه من أهل اليابان، وأن الخلق كلهم عيال الله، وأن الديانات والحضارات مسارب نور.. نتقبل منهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم!».