يعتبر روجيه غارودي أبرز المفكرين المعتنقين للإسلام الذين تحدثوا بوضوح وشجاعة عن إخاء الأديان، وقد بدا أكثر حماسة لهذه الفكرة بعد أن اعترض بشدة على الطريقة التي يتم بها تقديمه للعالم الإسلامي، حيث درجت الصحافة الشعبوية خلال الثمانينيات والتسعينيات على وصف الرجل بأنه المفكر الملحد الذي اهتدى من الظلام إلى النور، والذي اكتشف بطلان الأديان وزيفها واعتنق نور الإسلام.
لم يكن الرجل في الواقع موافقاً على فهم كهذا، وكان يرى الديانات السماوية مدرسة واحدة، ويعتبر أن اعتناقه للإسلام ليس إلا فصلاً من فصول سعيه لخدمة الإيمان، فهو لم يكن ملحداً في يوم من الأيام، وقيادته للحزب الشيوعي لم تكن ناشئة عن إلحاد بل هي بسبب تعلّقه بالمطالب الاجتماعية للطبقات المسحوقة، ورسالة الإيمان أن يشارك في دعم هذه الحقوق وتعزيزها.
وفي كلمته الشهيرة بجامع أبي النور بدمشق بحضور المفتي العام قدم غارودي بشكل واضح رؤيته لدور جدل العقل والنقل، ورؤيته لتقارب الأديان، وأكد بوضوح وعيه بالرسالة الإبراهيمية التي يمكن من خلالها الجمع بين اليهودية والمسيحية والإسلام في إطار منظومة قيمية محكمة، وبكل وضوح يشرح رؤيته في هذا السبيل، فيقول:
«إذا تذكرنا الآيات (44و 46 من سورة المائدة) {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه} نجدها عبارة عن رسائل موسى عليه السلام في التوراة، وعيسى عليه السلام في الإنجيل، استمرت القيادة والإرشاد إلى طريق النور، واستمر القرآن في ذكرها حتى (الآية 48 من سورة المائدة) وقال تعالى {ولكل شِرعَة ومنهاجا}. وفى ضوء الآيتين السابقتين، يتضح أن الطريق هو الشريعة، وهي قيمة عالمية مشتركة تناسب كل الناس، فهي تحدد النهايات السامية، في حين أن المذاهب أو الطرق هي الوسائل التي تسمح في كل حقب التاريخ لمن اخترق القيم العليا السامية، وبذلك فإن الشريعة موجودة ومتمثلة في الكتب الثلاثة المنزلة».
ولكن الجانب الأهم في فكر غارودي هو موقفه من التجديد الديني، وبشكل خاص موقفه الشجاع ضد القطيعة بين الإسلام وبين الأديان والثقافات، فقد بدأ الرجل مباشرة بعد إعلانه الدخول في الإسلام رحلة أخرى داخل الفكر الإسلامي ذاته، وهي رحلة نقدية صريحة لا تختلف عن تجاربه السابقة، وقد أثار هذا الأمر كثيراً من المؤسسات التقليدية في العالم الإسلامي، ورأت في هذا السلوك افتئاتاً على ثوابت الشريعة، وصدرت بحق الرجل مواقف مباشرة تتهمه بالهرطقة، ولكن الرجل كان واضحاً تماماً فهو لم يطرح نفسه فقيهاً يفتي في مسائل الدين، ولكنه ظل يمارس دوره كمفكر ناقد، وكان يجهر برأيه أن الإسلام بحاجة إلى تجديد مستمر، وأن من الغرور أن نطرح الشريعة صالحة لكل زمان ومكان ثم نقعد عن التجديد والاجتهاد فيها، وهي العبارة التي طالما كررها الفقهاء بقولهم: النصوص تتناهى والأحداث لا تتناهي، وما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى.
حين أعلن غارودي موقفه الشجاع في اعتناق الإسلام أصبح هذا الخبر مادة صحفية أولى وخبراً دسماً تتوالى صفحات الإعلام الترويج له والتبشير به، وكتب صحفيون كثيرون أن الرجل اهتدى أخيراً إلى درب الهداية، وأنه تخلص من الظلمات والجاهلية والضلال المبين، ولكن غارودي في الواقع كان يحمل رؤية أخرى للإسلام، فهو لم ير فيه الدين الذي نسف ثقافات الإنسان وكفاحه وتجاربه، ولم ير أن عظمة الإسلام تتوقف على انحطاط الثقافات والديانات الأخرى، لقد كان يرى أن القرآن الكريم نص بصراحة على اعترافه ببقية الأديان، ففي أربعة عشر موضعاً منه ترد عبارة: {مصدقاً لما بين يديه}. وحين يصرح القرآن بهذه الحقيقة فإنه يقدم أوضح رسالة إخاء إنساني، حيث يدعو إلى التصديق والتكامل وليس إلى العداء والتناحر، إنه لم يقل ناسفاً لما بين يديه، ولم يقل مبطلاً لما بين يديه، وإنما قال مصدقاً، والتعبير بلفظ «ما بين يديه» يشمل النبوة السابقة والحاجة الحاضرة والحكمة اللاحقة، وهذا وعي بحقيقة الفطرة الإلهية التي فطر الناس عليها.
وقد أعلن غارودي مرات متعددة أنه يتعرض لاستفزاز من الصحافة، حيث كان يرحل إليه صحافيون مسكونون بوهم نرجسي طاغ، ينتظرون منه أن يشن حرباً لا هوادة فيها على تهافت الفكر المادي، وانحطاط الكنيسة، وسقوط الحضارة، وجاهلية القرن العشرين، وغير ذلك من العناوين التي تلتمس إظهار عظمة الإسلام باحتقار ما سواه.
ولكن الرجل لم يكن يحمل هذه القناعة أبداً، لقد ظل يكتب في الإخاء الديني والإنساني، ولم يكن يرى دخوله في الإسلام كفراً بما أنجزه الإنسان في كفاحه المعرفي والفلسفي، وحين سأله صحفي أراد استفزازه: حدثنا عن ضلالك الأول وأوهام الفكر الذي كنت تائهاً فيه قبل أن يمن الله عليك بالإسلام؟ قال له بشجاعة: «أيها السائل إنني لا أحب كلمة اعتناق الإسلام، فأنا مؤمن أنها الفطرة التي خلق الإنسان عليها، وأنا أقرؤها في القرآن كما قرأتها من قبل في الإنجيل، وهي حقيقة لا تبتعد عن آمال ماركس في العدالة الاجتماعية» ، وفي تعبير صحفي صريح قال: «لقد دخلت الإسلام وبيميني نسخة من الإنجيل وفي يدي الأخرى كتاب رأس المال لكارل ماركس، ولست في وارد التخلي عن أي منهما».
وربما كان هذا الموقف أهم ما تبناه المفكر الكبير روجيه غارودي، وقد كتب لي حضور أهم لقاء صرح فيه غارودي بهذه الحقيقة، وذلك في دمشق (3/7/1995م) حين حضر بدعوة من الشيخ أحمد كفتارو مع زوجته سلمى الفاروقي، وهناك أعلن موقفه تماماً في هذا الجدل الكبير، إنه ببساطة لم يطرح نفسه فقيهاً أصولياً ومفسراً بالمأثور والمنثور، وإنما طرح نفسه مفكراً وكاتباً وهذا حق كل إنسان، فلم يتدخل في إطلاق فتاوى فقهية وأصولية، ولم يكن هذا لينتظر منه أبداً، ولكنه واجه بشجاعة فكرة الشعب المختار التي تسربت إلى العقل الإسلامي، وأعلن تماماً أنه يريد أمة بين الأمم، وليس أمة فوق الأمم، وأنه يتبع نبياً بين الأنبياء وليس نبياً فوق الأنبياء، وأن الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تزال تجمع بين الشرفاء والعقلاء من البشر بغض النظر عن اختلاف ألسنتهم ودمائهم وقبائلهم وأقوامهم، وفي إطار لا يحتمل اللبس أثنى أطيب الثناء على جهود الإمبراطور الهندي المسلم السلطان أكبر الذي قدم نموذجاً متقدماً في الإخاء بين الديانات، وتعزيز قيم المشترك بينها.
لقد وصل غارودي إلى شاطئ الإسلام رسالة الرحمة للعالمين، ولكنه لم يوافق أبداً أن يكون دخوله في الإسلام نهاية عهده بالعقل، وكان يردد دوماً كلمة الفيلسوف الحائر ابن الفارض: زدني بفرط الحب فيك تحيراً.
لقد بدأ كاثوليكياً واستأنف بروتستانياً ثم اختار في كفاحه منصة الشيوعية العالمية، وانتهى به المطاف في رياض الإسلام، ولكنه لم يقل يوماً إنه قد وقف على نهاية العالم، ولم يملكه الغرور يوماً ليتحدث عن نهاية التاريخ، لقد ظل يعبد الحق ويعشق القلق، ويناجي ربه بالعبارة المحببة في كل صلاة: {اهدنا الصراط المستقيم}.
وفي تلخيص لرسالته التي كان يعمل لها صرح غارودي في أيامه الأخيرة: «إن أشد ما يحملني على الفخر هو تمسكي بالحلم الذي راودني في سن العشرين، أعني وحدة الأديان الثلاثة المسيحية واليهودية والإسلام».
ويمكن متابعة موقف غارودي الواضح في هذا الاتجاه في كتابه الشهير (وعود الإسلام) أو (ما يعد به الإسلام) وفيه يقول: «بعد قرن على وفاة النبي كان لا بد من وصوله على غايته، وهي تحقيق أمة عالمية موحدة بنفس العقيدة، مرحبة بالدخول في العقيدة وبثقافة الجميع سواء أكان المقصود م نذرية غبراهيم من عظماء الأنبياء كموسى وعيسى ومحمد أو من حكماء الهندوسية كبوذا أو المزدكيين، وقد عبر ابن عربي عن هذا الأمل في الإنسان … وقد دمج في كتابه (فصوص الحكم) جميع أولئك الذين قدموا شيئاً جديداً للبشرية، وفي نقله عن ربه قال: لا أظهر لمن يعبدني إلا في شكل اعتقاده هو… ثم يستعرض غارودي كلام ابن عربي في دين الحب وشعره وموقفه من تعظيم كل الأديان، ويقول: هذا التقبل للتدفق الجديد من كافة الأديان وكل واحد منها كمرحلة في الملحمة الإنسانية… إن هذا كله يجعل من الإسلام أعظم قوة للتكامل للتكامل الروحي».