يعتبر محمد إقبال (1877-1938م) أبرز صوت استنهض الحضارة الإسلامية في القرن العشرين، وقد سخر موهبته الشعرية الفريدة لبعث إرادة التنوير، وأحيا ثقافة الإخاء الإنساني بوصفها سبلاً تدل على الله، وأكد أن الصراع بين الأديان محض وهم لا ينفع في شيء إلا في تحطيم عزائم المؤمنين من كل الأديان، وتراجع الروح لصالح المادة.
ومع أننا لن نعثر على مصطلح إخاء الأديان في أدبيات إقبال، ولكن يمكنك قراءته في منهج إقبال الذي طرحه مرّات كثيرة، وربّما كان أوضح صورة لمنطق إقبال في إخاء الأديان هو ما قدمه في ديوانه الكبير (رسالة الخلود)، أو كما سمّاه بالفارسية (جاويد نامه).
ففي ديوانه هذا يدوّن إقبال فكره وفلسفته في رحلة روحانية غنية يطوف فيها بين الأفلاك التسعة، ويتحدث في كل سماء إلى حكيم، ومن المدهش أن حكماء إقبال وفلاسفته لا يعكسون نمطاً متطابقاً، كأنبياء المعراج مثلاً؛ بل إنها كانت جولة عجيبة التقى فيها إقبال بالأديان كلها، مؤمنين ووثنيين وملاحدة، وأنبياء وطواغيت، وقديسين وأبالسة، ومتقين ومستكبرين، ولكنه تمكّن من حشد الحكمة على أفواههم جميعاً في منصّات السماء التي كانت تفرد لكلٍّ منهم منصّةً ومنبراً.
يبدأ إقبال بمناجاة عميقة، لحائر يبحث عن نور الحق، وفي غمار مناجاته الصادقة يظهر له فيها جلال الدين الرومي، الذي سيكون مرشد الشاعر ورفيقه في معراجه الفريد، وينطلق المشوار إلى السموات في رحلة العرفان واليقين.
ويعكس جلال الدين الرومي، في معراج إقبال، دور جبريل في معراج محمد؛ فهو المرشد والدليل، وفي بريق عينيه سيتمكن إقبال من قراءة التفسير الصحيح لرسالة الحكماء والفلاسفة والأنبياء، الذين سيقابلهم إقبال في معراجه السماوي العجيب.
في القسم الأوّل يزور إقبال القمر، وهناك يجد الحكيم الهندي جهان دوست (Jahan Dust) يمارس اليوغا الهندية، ويحدّث إقبال عن السلامة الحقيقية في هذا العالم، التي تكون باتحاد العقل والقلب والمادة والروح.
ويعرف الهنود الحكيم جهان دوست باسم صديق العالمين، ولا شك في أنّ هذا الاستهلال يكشف مراد إقبال في معراجه الروحي، الذي استطاع من خلاله أن يؤسس صداقة ومحبة مع كلّ الحكماء والشعراء والفلاسفة في الأرض.
ومع أن إقبال كان يعيش صخب الغضب الهندوسي وطيشه، وما أفرزه من نزعة انفصالية عن القارة الهندية بعد سلسلة من المواجهات الدموية بين المسلمين والهندوس، ولكنّ إقبال نجح في تحييد الحكمة عن السياسة والفلسفة عن المصالح، وحاول الدخول إلى عمق الحكمة الهندوسية، وروعة ما تقدّمه تلك الحكمة العتيقة من صورة النيرفانا الأخيرة التي يحاول الناسكون أن ينجزوها على الأرض بالمكابدة والمجاهدة وتزكية النفس.
ثم يذهب إقبال ورومي إلى وادي جرغميد، وهناك يلخّص إقبال لقاءه بالأنبياء الأربعة بوذا وزرادشت والمسيح ومحمّد، ويقدّم مجموعة رائعة من إلهاماتهم العظيمة التي يتبعها الملايين في الأرض، ومع أنه لا يلتقي بهم، لكنه ينقل عن كتبهم، ويضيف أفقاً فريداً في نقل معارفهم ونبوءاتهم، فينقل حكمة بوذا على لسان فتاة راقصة، فيما ينقل حكمة زرادشت على لسان أهرمن، والعجيب أن أهرمن هو الإله السلبي في العقيدة الزرادشتية، وهو نقيض أهورا مزدا الذي يحمل الخير للناس، وينقل عن المسيح على لسان تولستوي؛ أمّا التعرف على النبي محمّد، فينقله على لسان أبي جهل!!
ومن العسير أن تستنبط تعليلاً منسجماً لموقف هؤلاء الأربعة المتناقضين للتعبير عن ذوات متشابهة، فما الذي يجمع فتاة راقصة بأهرمن وتولستوي وأبي جهل، فيما نريد التعرّف على أربعة من الحكماء التاريخيين الهائلين بوذا وزرادشت والمسيح ومحمّد؛ إنه في الواقع سيناريو غير عادي لتفسير التاريخ، يشبه الاختيارات الهوليودية الصاخبة لتفسير الواقع.
ومن المؤكّد أن إقبال قصد إظهار أجود ما في هذه الرسالات، واختار طرقاً غير متشابهة للتعبير عنها، ولعلّ القارئ الكريم يستغرب أن يكون أبو جهل هو من يشرح طبيعة الرسالة المحمدية، وفي الواقع، إن إقبال أراد أن يسمع الناس سبب اعتراض قريش على الرسالة ومعانيها الإنسانية في المساواة والحرية والإخاء، وهي المعاني الإنسانية النبيلة التي كان ينكرها الناس آنذاك، بوصفها طيشاً صبيانياً، لكنّها باتت اليوم على رأس حقوق الإنسان في العالم كلّه.
وفي وعيه بإخاء الأديان ينطلق إقبال من قوله تعالى: ]إن الله واسع عليم[ [البقرة 115]. وقد بنى إقبال على هذه الحقائق القرآنية موقفاً في غاية الشجاعة والتسامح، وقال بوضوح:
إن الصلاة بوصفها سلوكاً بشرياً ومنزعاً إنسانياً ظهرت في صور كثيرة: ]ولكلّ أمّة جعلنا منسكاً هم ناسكوه[ [الحج 67].
إن أشكال العبادة لا ينبغي أن تكون محلّ نزاع، فالقرآن الكريم أخبر أن الله يتسع لكل السالكين إليه، {ولله المشرق والمغرب فأينما تولّوا فثمّ وجه الله}.
وهذا الفهم الذي حمله إقبال يعكس الروح الإنسانية التي تحلّى بها، وهو ما أكّده القرآن الكريم في قوله تعالى: ]إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون[ [البقرة 62].
أمّا القبلة التي نتوجّه إليها في الحرم الشريف، فهي ذات بعد اجتماعي يحقّق التواصل والمساواة، ولا يمكنني أن أفهم أن الله أقرب إلى مكّة من أيِّ مكان آخر، {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله}، {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}.
ويتحدث إقبال عن إيمان الأمم، فلا ينازع فيه. لقد نصّ القرآن بوضوح: {ولكلّ جعلنا منسكاً هم ناسكوه}، {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً}؛ إنّها إذاً نوافذ ترى فيها مقلة العابد وجه الله. وفي قراءته العابرة للثقافات كان يؤكّد حقيقة وحدة الشهود التي اقتفى فيها أثر معلميه الكبار.
وفي إشارة جدّ واضحة لمعنى المساواة الذي يقدمه الإسلام، يشير إقبال إلى عمق المساواة في الإسلام، وهو فهم يتعذّر إدراكه بعد أن حسم أمره في تصنيف الناس، وأخرج المنبوذين من دائرة الإنسان؛ إنها ثورة روحية هائلة أن يقبل البرهمي الأرستقراطي الوقوف إلى جانب المنبوذين في صلاة واحدة!!.
وتطوف تأمّلاته بين الشرق والغرب، ويجتهد أن يقرأ لوحة الإيمان على كلّ الشواطئ؛ إنها الفطرة والعقل؛ إنها شيء لا يعتنقه الناس بسبب مضاء سيوف الفاتحين ولا حتى قوة براهينهم؛ إنه شيء يتدفّق من داخل الإنسان بوصفه مشروع الله وبرنامجه في الأرض؛ إنه شيء يرتبط بالعجينة الأولى التي فطرها الله بيديه، ونفخ فيها من روحه، ونشرها على قدمين وقال لها: {ألست بربّكم}؟
وإقبال يتفهّم الحيرة التي تلازم الباحث عن الحقيقة؛ فالحقيقة ليست حسماً صارماً يمنح اليقين ويلقي بالآخر في دائرة الوهم، واللحظة التي يكتشف فيها المرء الحقيقة لا تطول؛ إنها سرعان ما تتحول؛ إنها تقرّ لحظات ريثما تنضج الأسئلة الجديدة، وتبدأ زلزلة العقل من جديد.
إنه يتوقف عند وايتهد في عبارة ذات دلالة عميقة: الكون ليس حقيقة قارّة… إنّه جدل متلاطم، ثمّ يعيد اكتشاف هذه الحقيقة عند برغسون الذي بنى فلسفته على مبدأ أن الحقيقة هي حيوية حرّة خالقة لا يمكن التنبّؤ بها.
وهذه الحقيقة التي رسمها إقبال بريشة بارعة هي التي جعلته يطوف حول المدارس والمعابد، على رغم ما فيها من تناقضات، يبحث فيها عن الحقيقة الواحدة، فاليقين ليس صورة الحياة الخلّاقة؛ بل الشكّ والاضطراب والتلاطم، ومهما علا صياح الواعظين، واشتدّ غضبهم من المخالفين، فإن الحقيقة مستقرة هنا وهناك، وليست السماء وحدها من تنبت الزرع؛ إنه التراب أيضاً وزند الفلاح وجودة البذار، ولن تخرج إلى العالم سنبلة جديدة إلا باقتفائها من موارد متناقضة متباعدة.
إنه، إذاً، صدى نداء يهتفه الإنسان في كلّ أرض، ويراقص خيال الباحثين عن المثل الأعلى في كلّ أمّة وكلّ دين، وحين نقرأ عن مجتمع بلا تأمل، ولا إيمان، فنحن نقرأ عن المقابر فحسب؛ فالإنسان حيوان عابد، ولن يكون غير ذلك، وقبلته السماء وميتافيزيقها، وسيظلّ عبداً للغيب ولو كان أسير عالم الشهادة.
مرتجى داود في مزموره خلع الهندي شوقـــــــــــاً ثوبه |
*** | أمل عاش عليه الحنفاء ثم ألقى الرحل في نهر بنارس |
ثم يذهب بالأشواق والأحداق إلى سلوك الأمم في ابتغائها وصال السماء، وتحرّرها من إسار الأرض، فيرى أنها تسير السيمرغ ذاته، وتكابد الطريق للوصول إلى الحقيقة ذاتها؛ حيث تتساقط الأوهام كلها في الوادي، ولا يبقى على سبيل اليقين إلا السيمرغ الوحيد يصل بجناحيه إلى سدرتك، ويبسطهما في رحاب حضرتك.
أنت وحدك من تملك أن ترشدهم إليك أو تصدّهم عنك، ولكنني، أيّها السيّد الجليل، أدركت بيقين أنهم يرفعون زفراتهم إليك مهما كان منبر التوق الذي يرتقون، ومهما كانت صيغة المناجاة التي يرددون، فالمقصود أنت أيّها الظاهر الباطن الأوّل الآخر، يا من لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.
ولقد تسمع آهات المجوس هل سوى الشوق إلى وجه الحبيب |
*** | تصطلي عمداً على نيرانها أمل فيه النصارى يخلصون |
وتتفق هذه النظرة مع سياق الإمام الكبير الذي اتخذه إقبال معلماً خالداً وهو جلال الدين الرومي، الذي كان أبرز من كرّس إخاء الأديان وكرامة الإنسان، وعدّ السلوك إلى الله موقفاً عابراً للأديان والمذاهب والطوائف.
وفي قصيدة فريدة ترجمها ونظمها عبد الوهاب عزام، وهي تبدو دون قصائد إقبال صورةً وشاعريةً، ولكنها تتصل مباشرة بالمقصود، وقد آثرنا تركها كما هي، وقد سمّاها: «العالم معبد الله»، يقول إقبال:
إنّما العالم طرّاً معبد كلّ من أحسن يوماً عملاً كلّ من يغرس مخضر الشجر كلّ من يبني بناء حسنا كلّ من في دهره قد أجملا |
**** | كلّ من أحسن فيه يعبد كل من أحيا مواتاً هملا فيه للإنسان ظلّ وثمر كلّ من في صنعه قد أتقنا فكرة أو قولة أو عملا |
العالم كلّه معبد الله، والخلق عياله، وكل خير تبذله في الأرض هو صلاة، والعالم بستان الله، والناس في حال صلاة طالما كانوا يخدمون الآخرين ويبذلون المعروف.
إعداد: محمد حبش