Human Fraternity

محمد عبده

غابت فكرة إخاء الأديان في أعقاب الحروب الصليبية المستعرة التي ظلت تلقي بظلالها وتداعياتها على العالم الإسلامي لأكثر من قرنين من الزمن، ثم تواصلت كذلك في الحروب العثمانية في أوروبا، ثم الاستعمار الأوربي، وبذلك فقدت الفكرة تأثيرها وحضورها الذي ظهر بشكل واضح أيام الفتح الإسلامي للشام والعراق ومصر، وسادت أجواء القطيعة والكراهية بين أتباع الأديان.

ويمكن رصد عودة الفكرة من جديد على يد عدد من أئمة الإصلاح أبرزهم جمال الدين الأفغاني كما بيناه والشيخ محمد عبده، حيث شكل الشيخ محمد عبده ظاهرة صحوة إسلامية متميزة، وأسهم بشكل رئيسي في حركة النهضة الإسلامية مطلع القرن العشرين.

وفي موقفه من حوار الأديان قدم الشيخ محمد عبده رؤية متقدمة، تقوم على التصديق بما بين أيدينا من التوراة والإنجيل، وفق ما أخبر به القرآن في 14 موضعاً، بعبارة: مصدقاً لما بين يديه.

وقد ركز الشيخ محمد عبده على هذا المعنى، وطالب بوعي جديد فيما يتصل بالأديان الأخرى، والتركيز على المشترك بين الإسلام والمسيحية، وقد ظهر وعيه بهذه المسألة بشكل خاص خلال نفيه إلى بيروت 1883م حيث أدرك التنوع الديني القائم في لبنان، وحتمية إطلاق برامج للمحبة والإخاء بين أتباع الديانتين، وبالفعل أسس بالتعاون مع القس الإنجليزي إسحق تيلور أول هيئة للتقريب بين الأديان، وقد نصت الجمعية على أول هدف من أهدافها كالتالي: ١-التقريب بين الأديان السماوية وإزالة الشقاق بين أهلها.

وفي رسالته للقس تيلر المنشورة في الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده، أطلق الشيخ محمد عبده وعياً متقدماً وجريئاً، وقال فيه: وإنا نرى التوراة والإنجيل والقرآن ستصبح كتباً متوافقة، وصحفاً متصادقة، يدرسها أبناء الملتين، ويوقّرها أرباب الدينين، [1]

ويمكن اعتماد ما أورده رشيد رضا في تفسير المنار موقفاً مباشراً للشيخ محمد عبده، حيث نص رشيد رضا أن هذا التفسير هو محاضرات الإمام في تفسير القرآن وأنه راجعها بنفسه، وفي هذا السياق قال في تفسيره للآية القرآنية “وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً” (النساء: 124)، في كتابه “المنار”: “هذه الآية تعني أن كل من يعمل ما يستطيع عمله من الصالحات، وهو متلبس بالإيمان مطمئن به، فأولئك العاملون المؤمنون بالله واليوم الآخر يدخلون الجنة بزكاء أنفسهم وطهارة أرواحهم”.

ويضيف هنا من كلام الإمام: هَذَا وَإِنَّ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنَ الْعِبْرَةِ وَالْمَوْعِظَةِ مَا يَدُكُّ صُرُوحَ الْأَمَانِيِّ وَمَعَاقِلَ الْغُرُورِ الَّتِي يَأْوِي إِلَيْهَا وَيَتَحَصَّنُ فِيهَا الْكُسَالَى وَالْجُهَّالُ وَالْفُسَّاقُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الدِّينَ كَالْجِنْسِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ، وَظَنُّوا أَنَّ اللهَ الْعَزِيزَ الْحَكِيمَ يُحَابِي مَنْ يُسَمِّي نَفْسَهُ مُسْلِمًا، وَيُفَضِّلُهُ عَلَى مَنْ يُسَمِّيهَا يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا بِمُجَرَّدِ اللَّقَبِ، وَأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْأَسْمَاءِ وَالْأَلْقَابِ لَا بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَمَتَى يَرْجِعُ هَؤُلَاءِ إِلَى هَدْيِ كِتَابِهِمُ الَّذِي يَفْخَرُونَ بِهِ، وَيَبْنُونَ قُصُورَ أَمَانِيِّهِمْ عَلَى دَعْوَى اتِّبَاعِهِ؟ وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَحَرَّمُوا الِاهْتِدَاءَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.[2]

وفي تفسيره للآية القرآنية التي تقول “إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والصابئون والنصارى، من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون” (المائدة 69)، يقول ما نصه: فَالْآيَةُ بَيَانٌ لِسُنَّةِ اللهِ – تَعَالَى – فِي مُعَامَلَةِ الْأُمَمِ، تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ، فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ – تَعَالَى -: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (النساء: 133 – 124) فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا إِشْكَالَ فِي حَمْلِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. . . إِلَخْ عَلَى قَوْلِهِ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) . . . إِلَخْ، وَلَا إِشْكَالَ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مُعَامَلَةِ اللهِ – تَعَالَى – لِكُلِّ الْفِرَقِ أَوِ الْأُمَمِ الْمُؤْمِنَةِ بِنَبِيٍّ وَوَحْيٍ بِخُصُوصِهَا؛ الظَّانَّةِ أَنَّ فَوْزَهَا فِي الْآخِرَةِ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ أَوْ يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ أَوْ صَابِئَةٌ مَثَلًا، فَاللهُ يَقُولُ: إِنَّ الْفَوْزَ لَا يَكُونُ بِالْجِنْسِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِإِيمَانٍ صَحِيحٍ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى النَّفْسِ، وَعَمَلٌ يَصْلُحُ بِهِ حَالُ النَّاسِ؛ وَلِذَلِكَ نَفَى كَوْنَ الْأَمْرِ عِنْدَ اللهِ بِحَسْبِ أَمَانِيِّ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَثْبَتَ كَوْنَهُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ مَعَ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ.

 

أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: الْتَقَى نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ الْيَهُودُ لِلْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنْكُمْ، دِينُنَا قَبْلَ دِينِكُمْ، وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ، وَنَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَنَحْنُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا، وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كِتَابُنَا بَعْدُ كِتَابِكُمْ، وَنَبِيُّنَا – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَعْدُ نَبِيِّكُمْ، وَدِينُنَا بَعْدُ دِينِكُمْ، وَقَدْ أُمِرْتُمْ أَنْ تَتْبَعُونَا وَتَتْرُكُوا أَمْرَكُمْ، فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنْكُمْ، نَحْنُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، وَلَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ عَلَى دِينِنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ – تَعَالَى -: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ) (النساء: 124) الْآيَةِ. وَرُوِيَ نَحْوَهُ عَنْ مَسْرُوقٍ وَقَتَادَةَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا ((لَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ. إِنَّ قَوْمًا أَلْهَتْهُمْ أَمَانِيُّ الْمَغْفِرَةِ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا وَلَا حَسَنَةَ لَهُمْ، وَقَالُوا: نَحْنُ نُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ – تَعَالَى – وَكَذَبُوا، لَوْ أَحْسَنُوا الظَّنَّ لَأَحْسَنُوا الْعَمَلَ)) .[3]

 

وفي الواقع فإن الطرح المتقدم الذي أعلنه الشيخ محمد عبده وهو مفتي الديار المصرية قد أسهم في إنقاذ مصر من موجات الكراهية، وأسس للقاءات على أعلى مستوى تتم بين القيادات الدينية في مصر لمواجهة رياح التطرف التي تظهر بين الحين والآخر وتهدد وحدة البلاد وأمن العباد.

وعلى الرغم من أهمية الجانب البروتوكولي في هذه اللقاءات فإن الشيخ محمد عبده يكشف عن وعي عميق بإخاء الأديان ويؤسس لرغبة صادقة لاحترام متبادل للكتب السماوية، ويرهص بالفكرة التي تطالب بها اليوم هيئات تعليمية واجتماعية كثيرة بتوحيد مادة التربية الدينية لتشمل التعريف بالإسلام والمسيحية في مصر، بحيث يتلقى المسلم والمسيحي معرفة كافية بالدينين من المؤسسة التعليمية الوطنية بعيداً عن الإقصاء والتعصب.

كما أنه يؤسس للجهود العلمية التي تهدف إلى الجمع بين فرائد الحكمة في الكتب المقدسة واختيار تأويل مبني على احترامها جميعاً، كما يؤسس لاعتراف متبادل بين الإسلام والديانات الأخرى، وإنهاء فكرة إبطال الأديان وإلغائها، وبناء بيئة تتشارك فيها الأديان على أساس الاحترام والمساواة