Human Fraternity

جمال الدين الأفغاني

يعتبر جمال الدين الأفغاني أبرز رجال الإصلاح الديني في نهاية القرن التاسع عشر، وقد عمل في شبابه رئيساً للوزراء في أفغانستان أيام الأمير محمد أعظم خان، وحين ولي بعده أخوه شير علي خان رحل الأفغاني في البلاد وتحول إلى صيحة للنهضة والثورة في العالم الإسلامي، وقد سجل له نشاط كبير في مصر وتركيا والشام والعراق والهند، وقد اكتمل دوره الإصلاحي في مصر عبر تلميذه وصديقه الشيخ محمد عبده الذي صار مفتياً للديار المصرية.

أعلن جمال الدين الأفغاني الحاجة لحلف ديني يجمع الإسلام والمسيحية واليهودية والبرهمية لمواجهة الصلف الأوربي الاستعماري، وكان يرى أن القيم الدينية متشابهة في الدعوة إلى حرية الإنسان وكرامته، وأن لقاء الأديان على الغايات الإنسانية أمر إيجابي تماماً وأننا قادرون على مواجهة الأطماع الاستعمارية عبر حلف ديني متوحد، يستخرج أجود ما في المجتمع من قيم الإنسانية والتضحية والفداء، ويقطع الطريق على المعاذير التي يتذرع بها الاستعمار لاحتلال الأرض.

ويمكن القول إن ما نقل عن جمال الدين في مسألة إخاء الأديان ليس إلا موقفاً سياسياً واجتماعياً ولا يتعدى ذلك إلى الجدل اللاهوتي، ولم يظهر من جمال الدين أي اهتمام بإنشاء منصة مشتركة بين أبناء العقائد بل كان مشغولاً بحشد قوى المجتمع كلها للدفاع عن الحق والفضيلة والحرية.

وقد عقد الدكتور فارس الأشقر في كتابه جمال الدين الأفغاني قضايا ساخنة فصلاً خاصاً عن موقف جمال الدين الأفغاني من إخاء الأديان تحت عنوان وحدة الأديان عند جمال الدين الأفغاني، وكذلك كتب السيد محمد باشا المخرومي في كتابه خواطر جمال الدين الأفغاني فصلاً خاصاً بعنوان: الأديان الثلاثة متفقة في المبدا والغاية، وكذلك كتب السيد إبراهيم غرايبة في كتابه جمال الدين الأفغاني فصلاً خاصاً بعنوان: الأديان الثلاثة في فكر الأفغاني، وقد جمعت هذه الدراسات كلاماً كثيراً للسيد جمال الدين الأفغاني حول إخاء الأديان، ومما قال فيه:

“ثم رجعت لأهل جرم الأرض وبحثت في أهم ما فيـه يختلفـون فوجدته (الدين)، فأخذت الأديان الثلاثة وبحثت فيها بحثاً دقيقاً مجرداً عن كل تقليد، منصرفاً عن كل تقيد، مطلقاً للعقل سراحه. فوجدت بعد كل بحث وتنقيب وإمعان، أن الأديان الثلاثة، الموسوية، والعيسوية، والمحمدية، على تمام الاتفاق في المبـدأ والغاية. وإذا نقص في الواحدة شيء من أوامر الخير المطلق، استكملته الثانيـة..

وعلى هذا لاح لي بارق أمل كبير أن تتحد أهل الأديان الثلاثة مثلما اتحدت الأديان في جوهرها وأصلها وغايتها. وأن بهذا الاتحاد يكون البشر قد خطا نحو السـلام خطوة كبيرة في هذه الحياة القصيرة”

وقال: “وأخذت أضع لنظريتي هذه خططاً وأخط أسـطراً وأحبـر رسـائل للدعوة، كل ذلك وأنا لم أخالط أهل الأديان كلهم عن قرب وكثب ولا تعمقت فـي أسباب اختلاف حتى أهل الدين الواحد وتفرقهم فرقاً وشيعاً وطوائف”

وقال: “وأما ما نراه من اختلاف أهل الأديان فليس هو من تعاليمها ولا أثر له في كتبها. وإنما هو صنع بعض رؤساء أولئك الأديـان الذين يتجرون بالدين”

فالأديان في مجموعها هي الكل وأجزاؤها الموسوية، والعيسوية، والإسـلام، فمـا كان من هذه الأديان كلها على الحق فهو الذي يتم له الظهور والغلبة. لأن الظهور الموعود به في الدين إنما هو دين الحق –كما قلنا – وليس دين اليهود، ولا النصارى، ولا الإسلام، إذا بقوا أسماء مجردة ولكن من عمل من هؤلاء بالحق فهناك الـدين الخالص” [1]

 

[1]  ما نقلناه عن جمال الدين ورد مفرقاً في الكتب الثلاثة المذكورة، وقد أوردنا نصاً كاملاً من كتاب السيد عبد الرحيم أبو علبه في كتابه شوائب التفسير في القرن الرابع عشر الهجري، ص 55 طبع جامعة بيروت العربية 2005