يعتبر الأمير عبد القادر الجزائري أشهر أئمة الإسلام في القرن التاسع عشر وقد قاد الجهاد الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، واكتسب بذلك شهرة كبيرة في العالم الإسلامي.
وحين نفي إلى الشام بعد جهاده الطويل اختار من الشام مقام الشيخ محيي الدين ابن عربي فكان يأوي إليه وكأنه ينتمي إلى تلك المدرسة العرفانية.
وقد أوصى الأمير عبد القادر أن يدفن في أعتاب الشيخ محيي الدين في دمشق، وقبره عنده مشهود ومعروف في تأكيد على التزامه منهج السادة الصوفية وبوجه خاص في مبدأ إخاء الأديان.
وكان الأمير عبد القادر قد شرح هذه الحقائق في كتابه المواقف الروحية والفيوضات السبوحية، والذي اعتبره بمثابة شرح للفتوحات المكية للشيخ محيي الدين ابن عربي، وفي قصيدته من البحر الطويل يشير فيه إلى لون من وحدة الشهود عند السادة الصوفية حيث تفنى الأنا في الذات وتظهر في الصفات، فيكون الكون كله مخبراً ومظهراً للكمال الإلهي، حيث يكون الإشراق والنور في باطن الذات، وفيه يجد المرء أحوال السالكين من كل الأمم والأديان والمذاهب:
أنا الحب والمحبوب والحب جملة***فما زلت في أنا ولوهاً وحيراناً
ففي انا كل ما يؤمله الورى***فمن شاء قرآنا ومن شاء فرقاناً
ومن شاء توراة ومن شاء انجيلا***ومن شاء مزمارا زبوراً وتبياناً
ومن شاء مسجدا يناجى به***ومن شاء بيعة ناقوسا وصلباناً
ومن شاء كعبة يقبل ركنها***ومن شاء اصناما ومن شاء اوثاناً
ومن شاء خلوة يكن بها خالياً ***ومن شاء حانة يغازل غزلاناً
ففي انا ما قد كان او هو كائن***لقد صح عندنا دليلا وبرهاناً
أنا الحبّ والمحبوب والحب جملة***أنا العاشق المعشوق سراً وإعلانا[1]
وفي الواقع فإن الأمير عبد القادر الجزائري كان إماماً في التجرد، ومذهبه أن الله تعالى ظاهر في كل شيء، وفي الموقف السابع عشر يروي عن إمام الطائفتين الجنيد حين سألوه عن العارف والمعرفة فقال: لون الماء لون إنائه، وسكت، فكان يرى أن الكائنات تتمظهر حول الذات وتبقى الذات على الأصل، فمن الممكن أن يكون الإيمان صادراً من أي مذهب ومن أي دين ومن أي فلسفة، ولا يتغير جوهره في النهاية، وإنما يتلون بألوان الأواني.[2]
وقد كان هذا الوعي الروحي المتقدم إشارة لوعي الأمير بالإخاء الإنساني والمشترك بين الأديان، وحين وقعت طوشة النصارى في دمشق 1860 نهض الأمير عبد القادر لحماية النصارى في الشام، وفتح داره لاستقبال النصارى الذين جاؤوا هاربين من جبال لبنان، كما أرسل رجاله إلى قلعة دمشق حيث خصصها أيضاً لإيواء النصارى الهاربين من الطوشة، وقد عرف المسيحيون من أبناء الشام هذ الدور النبيل للأمير عبد القادر، ومع أنه يقع عموماً في باب الشهامة والمروءة ولكنه بكل تأكيد أثر من آثار إيمانه الكبير بإخاء الأديان.
وحين تقدم المسيحيون لشكره قال: “ما فعلناه من خير للمسيحيين ما هو إلا تطبيق لشرع الإسلام واحترام لحقوق الإنسان؛ لأنَّ كلّ الخلق عيال الله، وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله، إنَّ كل الأديان من آدم إلى محمد عليهما السلام تعتمد على مبدأين: تعظيم الله جلّ جلاله، والرّحمة بمخلوقاته، وما عدا هذا، ففرعيات ليست بذات أهمية كبيرة، والشريعة المحمدية من بين كل الشرائع، هي التي تعطي أكبر أهمية للاحترام والرحمة والرأفة، وكل ما يعزّز التآلف وينبذ التخالف، لكن بعض المنتسبين للدين المحمدي ضيعوه فأضلّهم الله