جلال الدين الرومي محمد بن محمد البلخي 1207-1273م، أشهر فلاسفة العرفان الإسلامي وأكثرهم حضوراً وتأثيراً، ولعله أكثر فلاسفة الإسلام شهرة وأكثر رجال العرفان انتشاراً في العالم، وقد بات اليوم واحداً من أبرز الرموز على وصال الشرق والغرب، والإسلام والأديان، والعقل والروح.
رحل جلال الدين من بلخ في أفغانستان مع أبيه خلال الغزو المغولي فطاف في الحواضر الإسلامية في إيران والعراق ثم وصل إلى مكة وعاد إلى بيت المقدس فدمشق وأخيراً استقر مع أبيه في قونية بتركيا، وحظي الأب والابن برعاية خاصة من السلطان السلجوقي علاء الدين كيقباد، وباتت الفرصة مهيأة لجلال الدين لينشر إشراقه الروحي في قونية.
أمضى جلال الدين أيامه في الدعوة إلى الإخاء الإنساني واعتبر الديانات مصدراً أساسياً للإخاء الإنساني ومدارس تربوية يتكامل بعضها ببعض، ويهدي بعضها إلى هدي بعض.
ومن كتبه الشهيرة:
المثنوي:
ويعتبر المثنوي الذي وضعه جلال الدين الرومي مصدراً ثراً لثقافة الإخاء الإنساني القائمة على أساس الإيمان بالله تعالى مصدراً نهائياً للإنعام لسائر الخلق، من الملل جميعاً، وقد انتشر المثنوي انتشاراً عظيماً وكان يسمى عند الفرس بمصحف العجم.
والمثنوي عبارة عن مجموعة شعرية من نحو 24000 بيت زاد عليها النساخ والشراح حتى بلغت 48000 بيت. باللغة الفارسية وضمنها أغلب فلسفته وحكمته.
وترجم الكتاب إلى التركية والأوردية والهندوستانية كما ترجم إلى الانجليزية والألمانية، وتأخرت ترجمته إلى العربية إلى القرن الأخير حيث ترجمه نثراً د. محمد عبد السلام كفافي.
الرباعيات: وهو كتاب يتألف من مجموعة من الرباعيات، قُدِّر عددها بألف وستمائة وتسع وخمسين رباعية.
كتاب فيه ما فيه: وهو كتاب يتألف من مجموعة من المحاضرات التي ألقاها جلال الدين على أصحابه، وقد جمعها مريدوه عنه، ويبلغ عدد هذه المحاضرات إحدى وسبعين محاضرة.
المجالس السبعة: وهو مجموعة من المحاضرات التي ألقاها جلال الدين الرومي عن القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وفيها بعض أشعار فريد الدين العطار والسنائي.
الرسائل: وهي مجموعة من الرسائل التي كتبها الرومي لأصحابه باللغة الفارسية واللغة العربية، وتدل هذه الرسائل على اهتمام الرومي بمعارفه ومريديه وتأثيره الكبير فيهم.
ولجلال الدين تأثير كبير في الثقافة العالمية، وهو أحد المفكرين الإسلاميين الذين تجاوزوا الأدب الإسلامي إلى الأدب العالمي، ووصفته قناة “بي بي سي” في تلك المناسبة بأنه أكثر الشعراء شعبية في الولايات المتحدة الأميركية، لا سيما ديوانه “المثنوي” و”شمس تبريز”
وفي الوسط الفني ذاعت شهرة جلال الدين وشغل بها الوسط الفني العالمي، بوصفه واحداً من أبرز رجال الألق الروحي والموسيقي في العالم، وغنت فنانات عالميات شهيرة من كلمات جلال الدين مثل: “غولدي هاون” و”ديمي مور”، واشتهرت على نطاق عالمي أغنية مادونا “قوة الوداع” (The Power Of Good-Bye) وساهمت هذه الأعمال بتعزيز انتشار أعمال الرومي ووصولها إلى أجيال وفئات عمرية وأوساط جديدة في كافة أنحاءالعالم.
وقد اهتم كثير من المستشرقين بشخصية مولانا جلال الدين، ومن أبرزهم البريطاني “رينولد نيكلسون” والذي أمضي منذ نهايات القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن العشرين حوالي خمسة وعشرين عاما من حياته في دراسة أعمال جلال الدين الرومي، حيث ترجم مختارات من ديوانه “شمس تبريز” عام 1898.
كما ترجم المستشرق الإنجليزي “آرثر جون آربري” عدداً من أعمال رومي، وكذلك المستشرقة الألمانية “آنا ماري شميل” التي خصصت كتابها الضخم (815 صفحة) “الشمس المنتصرة” لدراسة أشعاره وتحليلها.
واعترافاً بشهرته العالمية فقد أعلنت منظمة اليونسكو 2007 عاماً دولياً للاحتفال بمناسبة مرور 800 سنة على ولادة مولانا. وورد في وصفها لجلال الدين، في بيانها بهذه المناسبة: “إنه كان ولا يزال أحد المفكرين والعلماء الكبار الذين أغنوا الحضارة الإسلامية، هو شاعر عالمي، إذ تعتبره الشعوب في كل من أفغانستان وجمهورية إيران الإسلامية وتركيا شاعرها، ويمكننا أن نلمس الروح الإنسانية في كل ما يروى عنه من شعر ونثر.
وصار مولانا كنز عرفان للعالم، يسميه مريدوه الأتراك “مولانا”، ويسمى في بلاد فارس “مولوي”، ويعرف أيضا في أفغانستان “البلخي”، وفي أوروبا والغرب “الرومي”. والرومي نسبة إلى بلاد الروم حيث عاش معظم حياته في قونية، وهكذا تسابقت إليه الأمم وكل يعتبره رمزاً في حضارتها وإشراقها.
موقفه من إخاء الأديان:
وجلال الدين أوضح من صرح بمبدأ إخاء الأديان، واتحاد مقاصد السالكين وقد أعلن في مواضع كثيرة أن الله أكبر من أن تحتكره ديانة واحدة، وأوسع من أن تحيط به نبوة واحدة، وأن لله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله.
وفي مطلع ديوانه التبريزي يقول: أنا نفسي لا أعرف نفسي، فلا أنا مسيحيٌّ، ولا أنا يهوديٌّ، ولا أنا مجوسيٌّ، ولا أنا مسلمٌ، ولا أنا شرقيٌّ، ولا أنا غربيٌّ، ولا أنا من البر، ولا أنا من البحر، ولا أنا من الكون، ولا أنا من المكان.
«مسلم أنا ولكني نصراني وبرهمي وزرادشتي.. توكلت عليك أيها الحق الأعلى.. ليس لي سوى معبد واحد.. مسجد أو كنيسة أو بيت أصنام”
يَا ولدي مهما اختلفت الأديان والمذاهب والطرُق، يبقى المعشوق والمقصود واحداً، لا إله غيره ولا محبوب سِواه .! …
قد تجد الحب في كل الاديان.. لكن الحب نفسه لا دين له.
ليس العاشق مسلماً أو مسيحياً، أو جزءاً من أي عقيدة. . دين العشق لا مذهب له لتؤمن به أو لا تؤمن، مذهب العشاق وملتهم هو الله.[1]
ومن روائع ما أثر عنه في إخاء الأديان وكرامة الإنسان:
أيها البشر الأتقياء التائهون في هذا العالم، كلُّ هذا التيه من أجل معشوق واحد تبحثون عنه في هذا العالم، ابحثوا في أنفسكم فما أنتم سوى ذلك المعشوق.
إن لم تجدني داخلك.. لن تجدني أبداً.. فأنا معك منذ بدء التكوين.
إن كنت تبحث عن الله فهذه مشكلة.. الله فيك وأنت لا تدري.
هيأتك المرئية التي تظن بأنها أنت هي محدودة.. أما حقيقتك فليس لها حدود.
إن ما يبدو لك متناقضاً.. إنما هو إنسجام غير مفهوم
فكيف يضحك المرج في الربيع.. إذا لم يبك الشتاء.
أنت الكون بحركته المنتشية.
ليس العاشق مسلما أو مسيحيا، أو جزءا من أي عقيدة.. دين العشق لا مذهب له لتؤمن به أو لا تؤمن.[2]
وفي موقفه من اختلاف الأديان، تحدث جلال الدين عن الانسجام في الكون، وأن الاختلاف ما هو إلا إدارة حكيمة من الله للعالم، وما تجده في كل دين من نور فهو إكرام من الله وإنعام، فالنور لا يطفئ النور، بل يزيده إشراقاً.
لم يقارب جلال الدين مسألة إخاء الأديان بالبراهين العقلية والحجج النصية، بل ذهب إلى نشر معانيها بالدليل البرهاني القائم على الاشواق والأذواق والعرفان.
وبدلاً من الخوض في دلالات النصوص وظاهر عباراتها، فقد مضى جلال الدين إلى عالم الإشارة واستعان بالموسيقى والفن لتعزيز موقفه من اختلاف الأديان والملل، فقد اختصرها بطريقته الروحية الوصفية التي باتت تعرف بالمولوية، وفيها يتقدم الناسك بلباس متعدد الألوان، وطربوش موشوري يرمز للاتصال بمصدر الإشراق، ثم يبدأ الناسك بالدوران بألوانه المتعددة الزاهية التي ترمز إلى التعدد في الأديان والثقافات والممارسات، ولكنها حين تنطلق في دورة الطواف حول الذات الواحدة، تتحد الألوان كلها تلقائياً فتكون لوناً أبيض، تنسجم فيه الألوان كلها، وتعود صفاء ونقاء وطهارة، حيث يلتقي الكل من المختلفين حول الذات الواحدة فيكونون شركاء في الإشراق الذي يتدفق من عل، ولا يميز بين لون ولون.
وفي واحدة من أروع قصائده في المثنوي يتحدث جلال الدين قصة الفيل الذي نقلهُ الهنود من بلدة إلى أخرى. وصل الفيل في الليل ووضعوه في حظيرة، تسلل الناسُ إلى الحظيرة في الظلام الدامس، وأخذ كلُّ إنسانٍ يتحسس الفيل، فالذي وجد الخرطوم قال إنّ الفيل إنما يشبه الأنبوبة، وقال من لمس ظهره أنه يشبه السرير، ومن لمس أرجله قال إنه يشبه الأشجار، وهكذا فكلُّ واحد ممن لمس الفيل ظنَّ أن ما لمسه هو كمالُ خلقة الفيل بينما لم يشعر كل واحد منهم إلا بجزء صغير جدًا من الفيل.
إننا ندرك دوماً جانباً من الحقيقة، يعكس موقعنا وظروفنا وثقافتنا، ومن الغرور أن نقول إننا نحيط بالحقائق بدقة، ولا نحتاج للمراجعات والتكامل مع ما يعرفه الآخرون.
ثم يعطف بعد ذلك مباشرة لشرح موقفه من اختلاف الأديان، فيقول: .
هذا هو حال أصحاب التعصب من الديانات الذين لمسوا من الحقيقة شيئًا ضئيلاً ظنوه كل الحقيقة. بينما قلوب الأنبياء تسع الجميع على خلاف المتعصبين.
وفي سياق قريب يؤكد جلال الدين على لقب له يستهويه بشدة فيقول: أنا خادم البساط المحمَّدي، هل منعَ البساط المحمدي النصارى واليهود من الجلوس عليه؟
“إن مولانا اشتق مذهباً جديداً في تأويل الدين ونصوصه، يمكن تسميته بـ(مذهب العشق). مذهب تتغلب فيه الروح على القانون، ماهيته التراحم والمحبة، تتسع مدياته الإنسانية، بنحو يحرر البشرية من العدوان والتعصب، ويفتح آفاق التواصل والتفاهم بين مختلف المجتمعات. إنه عابر للأديان والثقافات، ليس نفياً للأديان أو مناهضة لها، وإنما تعبير عن المضمون العميق للأديان، إنه مرتبة متعالية من المعنوية والروحانية، تستوعب جوهر الأديان، وكأنه يحاكي ما يذهب إليه الشيخ محيي الدين بن عربي، عندما يعبّر عن ذلك بصراحة:
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني
دين يتأسس على الحب والعشق، ينشد الجمال والفن، تبدو تمثلاته في الرقص والموسيقى والسماع، ويسكبها في قوالب الطقوس والعبادات، فتغدو سلماً للوصال مع الحق، والمعروف لديهم أن “مدارج السالكين اليه بعدد أنفاس الخلائق”. ينأى هذا التديّن عن كل ما من شأنه أن يقود الى القتل والموت، ويسمم الحياة بالحزن، ويلوّث عوالم المعنى بالدم المسفوح. لذلك لا نعثر على دعوات للكراهية هنا، قد نجد من يشير الى كراهية الخطيئة، بيد أنهم لا يكرهون الخاطئ، وإنما يشفقون عليه، ذلك أن معتقدهم ينبثق عن (لاهوت الشفقة) لم يتحدث مولانا عن القتل، ولم يطلب منا إعلان الحرب على الخطاة، ومن يختلفون معنا في المعتقد.
وجدت في مفهومه ديناً لا يكره الحياة، ديناً لا يخاف الفن، ديناً لا يزدري الفرح، دين جلال الدين هو دين التضامن ضد الدعوة إلى الموت… دين يدعو للابتهاج، دين يحتفي بالمسرات، دين مادته المحبة…
دين تشرحه كلمات جلال الدين: توضأ بالمحبة قبل الماء، فإن الصلاة بقلب حاقد لا تجوز
إن حضور الميراث الروحي للرومي هزم الفهم َ العنيف لدين البادية السلفي، المولع بالموت.
كان يوصي زائريه.. أخي عندما تأتي لزيارة قبري سيبدو لك السقف راقصاً، لا تأت لقبري دون دف، فإن من يستبد به الحزن لا يليق بمائدة الحق”.[3]
وفي يوم 17 ديسمبر من كل عام يتوافد المؤمنون بإخاء الأديان من كل العالم إلى الضريح الكريم لمولانا جلال الدين في قونية، وتقام مراسم يشارك فيها مسلمون ومسيحيون ويهود وبهائيون وبوذيون وزرادشت، تأكيداً على المشترك الديني بين الجميع، حيث يؤكد الجميع على الواحة الإنسانية الجامعة التي يمثلها هذا الضريح الكبير، ويشارك في هذا الحفل عادة رئيس الوزراء ووالي قونية وعدد من رموز الدولة والمجتمع، إضافة إلى ضيوف من مختلف أنحاء العالم.
وتنظم جانباً من هذه اللقاءات جمعية جان شفيق التركية التي تعتبر مرجع الطريقة المولوية في العام، وترأسها الآن الشيخة نور آرتيران.