Human Fraternity

ابن رشد

 

أبو الوليد محمد بن أحمد ابن رشد 1126-1198م واحد من أكبر علماء الإسلام خلال التاريخ، ومن المدهش أنه إمام فقيه كبير وفيلسوف نقدي كبير، وقد كنت أظن خلال دراستي الشرعية أن ابن رشد الفقيه هو شخص آخر غير ابن رشد الفيلسوف، وعرفت بعد ذلك ان الفقيه المالكي الهائل الذي كتب بداية المجتهد ونهاية المقتصد هو نفسه الذي انعطف نحو الفلسفة وصار أشهر فلاسفة الإسلام.

بالطبع يتعين أن نشير أن ابن رشد عرف باسم ابن رشد الحفيد، أما ابن رشد الجد فهو جدّه وهو فقيه مالكي متخصص، ليس له دور فلسفي.

ومع أن ابن رشد حاضر في كل ملفات النهضة في التاريخ الإسلامي والأوروبي، ولكننا معنيون هنا بدوره في إخاء الأديان، فقد حظي ابن رشد بتأييد كبير من المسلمين والمسيحيين واليهود، كما اتهمه فيما بعد متشددون قساة بالتكفير في الإسلام والهرطقة في المسيحية واليهودية.

ويمكننا أن نسجل لابن رشد اعتراضه الشديد على الغزالي في كتابه الشهير تهافت الفلاسفة، فقد كتب الغزالي كتابه على أساس امتلاك الحقيقة المطلقة، ومضى يزج كل حكماء التاريخ في سبيل الجهالة والضلال ابتداء من أرسطو وأفلاطون وسقراط وصولاً إلى أئمة الإسلام ابن سينا والفارابي والكندي، وقد صنف ذلك في كتابه تهافت الفلاسفة.

وإذا ضممنا إلى كتابه ذاك كتابه فضائح الباطنية فإن عدداً كبيراً من فرق الإسلام أيضاً سنجدها في الفرق الضالة والهالكة، وقد صدر عنه في كتابه فتاوى في غاية الطيش والتهور والدموية، تأمر بقتل طوائف بحالها كالدروز والإسماعيلية ولو لم يظهر منهم أي عدوان أو إساءة.

لا شك ان هذا الموقف استفز الفقيه الكبير ابن رشد خاصة أن الفقيه الغزالي من المتصوفة ويفترض أنهم يتحلون بقبول كبير للناس، ويدركون حكمة الله في اختلاف الأفكار والمذاهب والأديان، وقد دفعه ذلك لتحرير كتابه الشهير تهافت التهافت.

في كتابه تهافت التهافت عمد ابن رشد إلى التعريف بأئمة الفكر والحكمة من الإغريق والمسلمين ووقف على طرق استدلالهم وطرقهم إلى الحقائق الكونية سواء تحدثوا عن الله أو الهيولى أو العلة الأولى أو واجب الوجود أو الحكمة أو الذات العلية أو الاتحاد أو الحلول أو غير ذلك من مصطلحات الفلاسفة والأديان واختار دون تردد ان كل هذه المفاهيم محاولات للوصول إلى الله، وأن على العقيدة الإسلامية أن تتحلى بالمرونة والاتساع لقبول هذه الهوامش من الاختلافات العقائدية تأسيساً على أن الدين لله، وأن الخلق عباده، وأنه لا يليق بالكامل سبحانه أن يرسل النبوات والرسالات لتتناحر وتتنازع، ولا يمكن أن يكون الهدى محصوراً بفئة قليلة من الخلق وضعتهم الصدف في المكان القريب وصار الآخرون محلاً لغضب الله وسخطه وكراهيته.

وأهم ما في مذهب ابن رشد من المسائل التي اتهم من أجلها بالزندقة ما يأتي: قدم العالم، وعلم الله وعنايته، وكلية النفس والعقل، والبعث. وعادة ما تتم الإشارة إلى مواقفه هذه في الدلالة على أنه يخالف الشريعة وبالتأكيد فإن هياج الدهماء وإحراقهم كتبه في صخب احتفالي كان وراء ذلك، ولكن ابن رشد في الحقيقة لم ينكر العقيدة وإنما فسرها على وجه جعلها تتماشى مع الفلسفة.

أحدث ابن رشد ما يمكن وصفه بالزلزال الفكري في أوروبا، وكانت أطروحته أن هناك حقيقة واحدة فقط يمكن الوصول إليها عن طريقين مختلفين: عن طريق الإيمان، وعن طريق الفلسفة، وعندما يتعارض الطريقان فهذا يعني أن علينا قراءة النص المقدس بطريقة تأويلية، وبكلمات أخرى، البحث عن فلسفة الحقيقة (أو العلم) أكثر أهمية من الإيمان، وبصرف النظر عن ذلك، فإنه ضد القول بخلود الروح، وضد القول بحدوث العالم.

ومن هنا فإن ابن رشد لم يتقبل ذلك التأويل الحرفي لما يكون في الآخرة من عذاب النار، واختار بذلك موقف ابن سينا والفارابي، وخاصة حين يكون الوعيد على المختلف في الدين ممن عمل الصالحات، وذلك تأسيساً على قاعدة عدل الله ورحمته، وأنه لا يستقيم العذاب الأبدي مع عدالة الله بأي وجه، ويؤكد ابن رشد أن ما سبق يشير إلى أن الأرواح هي التي تعذب أو تنعم، ولكنه لا يرى بأساً في التشبيه الجسدي للبعث، لأنه يفيد الناس، ويحثهم على الفضائل، محاولاً توفيق الأمر، بأن اعتبر أن الأرواح المنعمة تحل في أجساد تنعم بها يوم القيامة، والعكس.[1]


وقد انفرد ابن رشد بتأثيره الكبير في التراث اليهودي والمسيحي، أما في اليهودية فقد تأثر به تأثراً بالغاً الفقيه اليهودي الأشهر في العصور الوسطى وهو موسى بن ميمون وهو أصغر من ابن رشد باثنتي عشرة سنة وهناك روايات تشير إلى لقائهما في الأندلس، فيما يرى آخرون انه لم يكن ثمة لقاء ولكن تكامل وتواصل، وقد أدخل ابن ميمون فكر ابن رشد في التراث اليهودي، وبوجه خاص رؤيته المنفتحة على الأديان والفلسفات كما قدمها في تهافت التهافت.

وأما في التراث المسيحي فقد تم ذلك عبر توما الأكويني ت 1474 أشهر فلاسفة اللاهوت المسيحي في العصور الوسطى الذي اهتم بنفسه بترجمة ابن رشد واستعمال مفاهيمه في التراث اللاهوتي المسيحي، ويمكننا القول دون تردد بأن تلاميذ ابن رشد في المسيحية واليهودية لا يقلون عن تلامذته في الإسلام