عبد الحق بن إبراهيم المعروف بابن سبعين 614-669 متصوف أندلسي كثير الرحلة، وقد بدأت شهرته بالمسائل الصقلية التي كتبها باسم الخليفة الموحدي جواباً على أسئلة البابا كليمنت الرابع، وذاع صيته في أوربا، وذكره البابا بإعجاب وثناء، وعرف بأنه من أعمق فقهاء الإسلام بصيرة وفلسفة.
واشتهر بكتابه بد العارف الذي كتبه وهو في الخامسة عشرة، وفيه دقائق الصناعات والممارسات، ولكن أهم ما اشتهر به فيما بعد هو اعتقاده في الله تعالى بأنه الوجود الحق وما سواه وهم، وإليه تنسب الطريقة الليسية، نسبة للعهد الذي اخذ به نفسه: ليس إلا الله، وقد صارت ورداً لأتباعه وسميت الطريقة الليسية، تعبيراً عن وعيه بوجود الله تعالى ونفي وجود الكائنات إلا بالانتساب إليه، فهي موجودة تبعاً وهو سبحانه موجود أصالة وليس من موجود بحق إلا الله.
رحل ابن سبعين إلى مكة، وحصل له قبول كبير فيها، وأحبه وتأثر به أمير مكة نجم الدين محمد بن نمي، وعاش في مكة إلى أن أدركه الموت فيها
وعرف ابن سبعين بطول اعتكافه في غار حراء، واشتهرت عنه تأملاته العميقة ومناجاته الطويلة للرسول الكريم في غار حراء، وخلال ذلك تسربت عنه رؤى صرح بها في استمرار الوحي، وإمكان ظهور نبوات جديدة.
وقد نقل عنه الذهبي قوله: لقد زرب ابن آمنة، لقد حجَّر واسَعاً حين قال لا نبي بعدي! وهي كلمة اعتبرها الذهبي كافية للحكم عليه بالكفر![1] إضافة لما تعرض من تكفير، حيث اتهم كسواه من الصوفية بالحلول والاتحاد، وتم تكفيره على يد ابن شهاب القسطلاني وابن كثير والذهبي.
والعبارة صادمة بنصها ولكنها لا تخرج بمضمونها عن منهج ابن سبعين الذي كان واضحاً في استمرار الإشراق وتنوع الأشواق واحترام كل الحكمة والنبوة والفلسفة من حيث صدرت في الأمم جميعاً والشعوب كافة.
ومع ذلك فإن العبارة لا تستقيم في سياقها لرجل عاش ومات وهو يتحدث عن الرسول الأعظم كسيد للبشر وخاتم للانبياء، وقد نسبت إليه عقب عودته من غار حراء ونذكر أنه كان رجلاً معروفاً في مكة وكان أمير مكة محمد أبو نمي قد تتلمذ عليه وأشاد بعلمه وفضله، ولا يمكن تحت أي ظرف ان ينطق ابن سبعين بكلام كهذا، وهو محسوب على حاكم مكة.
وربما كانت تلك العبارات من ذلك النوع من الأشواق التي يندفع إليها الناسك في مناجاته ودله على الله ورسوله، وهي تتصل باستمرار نوره وإشراقه وعطاياه وأن موت الرسول لا يعني موت الرسالة ولا انقضاء الإشراق، وهو كثير في كلام الصوفية.
وكان ابن سبعين يرى ان العالم بكل تجلياته يدل على ذات الحقيقة، واختلاف الأديان لا يعكر اتجاه السعي إلى الذات الواحدة التي تحيط بكل شيء وهي الله تعالى، فكل من في الوجود يعبد معبوداً واحداً، وإن اختلفت مظاهره فإن الذات المقصودة هي ذات واحدة وهي وجه الله.
وقد ظهر لابن سبعين في مكة تلاميذ كثير، ومن أبرزهم الششتري والبلنسي، وفي إشارة ذات دلالة أورد الششتري إسناد الطريقة السبعينية في العرفان، وفيها هرمس وسقراط وافلاطون الى جانب الحلاج والشبلي وقضيب البان والشوذي والسهروردي وابن مسرة وابن سينا وابن طفيل وابن رشد وأبي مدين وابن عربي ثم ابن سبعين دونما تفريق أو تفضيل، ولا شك أن ذلك يعزز المروي من مذهب ابن سبعين في اتحاد الديانات والفلسفات على الدلالة على المعبود بحق، وأنه لا وجه لتفضيل بعضها على بعض، بل هي طرق مختلفة لمعرفة الله والوصول إليه.