576-632
يعتبر ابن الفارض أشهر شعراء التصوف، ولقب بأمير العاشقين وقد اشتهرت قصائده في وحدة الشهود، وقد كتبها في خلوته في أحد جبال مكة، ومن الجلي أنها كانت مقاربة قصدها لنيل نفحات حراء.
ويقال إن ابن عربي طالبه ان يشرح قصائده فقال له: إن الفتوحات المكية هي خير شرح لها.
وفي شعر ابن الفارض تتجلى وحدة الشهود، وهو يكرر ما سبق إليه ابن عربي والجيلي حيث يؤكد أن الله بكل شيء محيط وهو في السماء إله وفي الأرض إله وهو أقرب إليك من حبل الوريد، وحيث كان الله حاضراً في كل شيء فإليه لا إلى سواه يتوجه العاشقون بضراعاتهم وأشواقهم وإشراقهم مهما كانت الصور التي ينصبونها في معابدهم:
وإن نـَــارَ بالتنزيـــل محـــرابُ مســـجد***** فـــما بــَـار بالإنجيـــل هيكـــلُ بيعـــةِ
وإن خـَـرَّ للأحجــار في البــدءِ عــاكفٌ***** فــــلا وجـْـــهَ للإنكــارِ بالعصـــيبةِ
وقــد بلــغ الإنــذار عنــي مــن بغــى **** وقامـــت بي الأعــذار في كـــل فرقــةِ
ومــازاغــت الأبصـار مــن كــل ملـة **** ومــا راغــت الأفكــار في كــل نحلــة ِ
وإن عبـَدَ النـارَ المجـوسُ ومـا انطفت**** كـما جـاء في الأخبـار في ألــف حجــةِ
فـما قصـدوا غـيري وإن كـان قصـدهم **** سوايَ وإن لم يظهروا عقْدَ نيـــــــــــة[1]
إنهم في الظاهر مشركون وضالون، ولكنهم في الباطن ما عبدوا إلا الله، حقق.. لا ترى إلا الله، وفي هذه الأذواق عشرات القصائد التي يغنيها الصوفية إلى اليوم بحضرة المشايخ في الشام وحلب والعراق ومصر والسودان، ومن أشهرها:
دع طرق الغي فالدنيا في *** ما الكون إلا القيوم الحي..
وهل ثمة غير الله من حق في هذا العالم؟
واشتهر عن ابن الفارض قوله بأن الجنة والنار منازل القرب من المحبوب، وانه ليس في خاطرالسالك من ثمار الجنة ولا من لهيب السعير شيء، وأنه غايته الوصال مع الله، وابتغاء قربه ونعيم وصاله، وان البعد عن الله هو العذاب وليس النار والجحيم الغساق، واشتهرت عنه القصيدة التي يحكي فيها أنه عرضت عليه منازل الجنة عند سكرات الموت فقال:
إن كان منزلتي في الحب عندكم *** ما قد رأيت فقد ضيعت أيامي
أمنية ظفرت روحي بها زمناً *** واليوم أحسبها أضغاث أحلام