Human Fraternity

عبد الكريم الجيلي :

عبد الكريم بن إبراهيم الجيلي أو الجيلاني 767-826 هجرية ولد في جيلان بالعراق وهو من أحفاد الشيخ عبد القادر، وعاش كثير الأسفار وكانت وفاته في زبيد باليمن.

يبني الشيخ عبد الكريم الجيلي مذهبه في تصويب عقائد الأمم على أساس الغلو في التنزيه والتوحيد، فهو لا يقبل وجود شيء على سبيل الحقيقة إلا الله، فالأشياء والكائنات إشارات إليه، وكان يرى أن صورة الكمال في العالم تتحقق بشخص الرسول الكريم الذي سماه الإنسان الكامل.

وقد أوضح الشيخ عبد الكريم الجيلي هذا المعنى في كتابه ” الانسان الكامل”، قال:

الباب الثالث والستون: في سائر الأديان والعبادات ونكتة جميع الأحوال والمقامات. اعلم أن الله تعالى إنما خلق جميع الموجودات لعبادته، فهم مجبولون على ذلك مفطورون عليه من حيث الأصالة، فما في الوجود شيء إلا وهو يعبد الله تعالى، بحاله، ومقاله، وفعاله، بل بذاته وصفاته، فكل شيء في الوجود مطيع الله تعالى، لقوله تعالى للسموات والأرض: ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين، وليس المراد بالسموات إلا أهلها ولا بالأرض إلا سكانها.[1]

وفي السياق نفسه يستشهد بالآية الكريمة: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ولا شك أن هذا المعنى لا يستقيم حتى نقول بأنهم يعبدونه في الحقيقة ولو اختلفت الصور، وإلا فإن غاية الخلق لم تتحقق ابداً وهو عبث يتنزه الله تعالى عنه، وقد قال: وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين.

ثم شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعبدونه بقوله: كل ميسر لما خلق له، لأن الجن والإنس مخلوقون لعبادته، وهم ميسرون لما خلقوا له[2]

ثم يمضي عبد الكريم الجيلي في بيان توجه الديانات فيقول: “منهم من عبد الطبائع الأربعة الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة، ومنهم عباد الكواكب السبعة، منهم عباد النور والظلمة، ومنهم من عبد النار، ومنهم من ترك العبادة أصلا. ومنهم البراهمة، واليهود، والنصارى ثم المسلمين. فهؤلاء عشر ملل، بالإضافة إلى عبدة الأوثان، وهم الكفار، هي أصول الملل”. ثم قال مقررا ومصححا لجميع الملل السابقة ” فكل هذا الطوائف عابدون الله تعالى، كما ينبغي أن يعبد؛ لأنه خلقهم لنفسه لا لهم، فهم له كما يستحق، ثم إنه سبحانه وتعالى أظهر في هذه الملل حقائق أسمائه وصفاته، فتجلى في جميعها بذاته، فعبدته جميع الطوائف[3]

ويذهب الجيلي في استدلاله إلى تصويب عقائد الأمم جميعاً، ثم يشرح في التفصيل فيتحدث عن معنى التوحيد في عبادة كل ملة، ويختتم بالمسيحيين فيقول:

وأما النصارى فإنهم أقرب من جميع الأمم الماضية إلى الحق تعالى، فهم دون المحمديين، وسببه أنهم طلبوا الله تعالى، فعبدوه في عيسى ومريم وروح القدس، ثم قالوا بعدم التجزئة، ثم قالوا بقدمه على وجوده في محدث عيسى، وكل هذا تنزيه في تشبيه لائق بالجناب الإلهي، لكنهم لما حصروا ذلك في هؤلاء الثلاثة، نزلوا عن درجة الموحدين، غير أنهم أقرب من غيرهم إلى المحمدين؛ لأن من شهد الله في الإنسان، كان شهوده أكمل من جميع من شهد الله من أنواع المخلوقات، وأما المسلمون فهم خير أمة أخرجت للناس[4]

 

ويختتم موقفه في قبول اعتقاد الديانات بقوله: ” فما في الوجود حيوان إلا وهو يعبد الله تعالى، إما على التقييد بمظهر ومحدث، وإما على الإطلاق، فمن عبده على الإطلاق فهو موحد، ومن عبده على التقييد فهو مشرك، كلهم عباد الله على الحقيقة؛ لأجل وجود الحق فيها، فإن الحق من حيث ذاته يقتضي أن لايظهر في شيء، إلا ويعبد ذلك الشيء، وقد ظهر في ذرات الوجود[5]

وبعد أن عدّد الأديان المعروفة في وقته، قال: “فكل هذه الطوائف عابدون لله تعالى كما ينبغي أن يُعبد”[6]، ويرى الجيلي في الديانات غير السماويَّة، أنّهم جميعاً يعبدون الله، لكنْ كلّ على طريقته الخاصّة. ذلك لأنّ الله خلقهم للعبادة، وما خلقهم إلاّ ليعبدوه. وبعبادتهم تظهر حقائق الأسماء والصفات الإلهيَّة. ويكون الله متجلّياً على جميع مخلوقاته. فيظهر الله في المراتب الحقّيَّة والخلقيَّة، وتصير رحمته عامّة في جميع الموجودات من الحضرة الرحمانيَّة. ولعلّ أوّل رحمة رحم الله بها الموجودات أن أوجد العالَم من نَفْسه، حسب قوله تعالى “وسخّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه”. وكأنّ الجيلي يريد أن يقول، إنّ الإنسان حرّ في عبادته، لأنّ كلّ ما يعبده، هو آتٍ من الله. لأنّ الله موجود في كلّ ذرّة من ذرّات الموجودات. وإنّه ظاهر في كلّ الأشياء، ومتجلٍّ على كلّ الجهات. فإذا عبد الإنسان الكواكب، فهو يعبد الله، لأنّ الكواكب من فعله تعالى. والكواكب التي عبدها الإنسان سبعة: الشمس – القمر – المشتري – زحل – المرّيخ – الزهرة – عطارد. وكلّ كوكب من هذه الكواكب يمثّل صفة من الصفات الإلهيَّة. وهذه الصفات موجودة في كلّ كوكب. والله هو حقيقة هذه الأسماء، وحقيقة تلك الكواكب. أمّا في الديانات السماويَّة، فإنّه يرى أنّ جميع الأنبياء إنّما أُرسلوا إلى أقوامهم بالحقّ الذي لا شكّ فيه.

ويشرح موقفه في أبيات من الشعر:

فسلمت نفسي حيث أسلمني القضا*** ومالي في فعل الحبيب تنازع

فطوراً تراني في المساجد عاكفا *** وإني طوراً في الكنائس راتع

فإن كنت في حكم الشريعة عاصياً*** فإني في حكم الحقيقة طائع