Human Fraternity

الشيخ محي الدين بن عربي

محمد بن علي الطائي الأندلسي المشهور باسم محيي الدين بن عربي 558-638 هجرية

يعتبر الإمام ابن عربي أشهر فلاسفة التصوف في الإسلام الذين تحدثوا بشجاعة وقوة عن إخاء الأديان، وله في ذلك دراسات وشروح تطول، وقد تبنى هذا الخيار بكل وضوح وخاض ثلاث تجارب مريرة في الأندلس والموصل وبغداد وحلب ومكة، واجه فيها صدوداً كبيراً قبل أن يتحول إلى الشام في النهاية ليختار بساتين دمشق موئلاً أخيراً ينشر فيها إشراقه وعرفانه.

ومع أنه وجد في الشام قبولاً واستجابة لمشروعه الإصلاحي ولكنه جوبه أيضاً بقدر غير قليل من الرفض، حيث ظهرت سلسلة متعاقبة من الكتب في تكفير ابن عربي، وقال ابن حجر العسقلاني إذا لم يكن كتاب الفصوص لابن عربي كفراً فلا كفر في هذه الدنيا!!.‏


وتعاقب فقهاء كبار على اتهامه بأقسى النعوت، ونص على تكفيره أئمة كبار منهم الإمام الحافظ الذهبي [1]والإمام الحافظ تقي الدين السبكي والسراج البلقيني، وقال عنه الحافظ زين الدين العراقي كلامه كلام ضلال وشرك واتحاد وإلحاد، وقال عنه العز بن عبد السلام شيخ سوء يقول بقدم العالم، لا يحل حلالاً ولا يحرم حراماً، وبأشد من ذلك تحدث ابن كثير وابن حجر الهيتمي[2] أما الإمام ابن قدامة المقدسي صاحب المغني فقد كتب عن ابن عربي بيتين من الشعر:

هذا الذي بضلاله *** ضلت أواخر مع أوائل‏

من قال فيه غير ذا *** فلينأ عني فهو كافر[3]


وقد جمع برهان الدين البقاعي هذه الأقوال في كتاب خاص سماه: تنبيه الغبي إلى كفر ابن عربي!! وصار كثير من الفقهاء لا يذكرونه إلا مع الملاحدة والزنادقة وأعداء الدين!!!‏

ومن جانب آخر فقد انبرى عدد من علماء الشريعة للدفاع عن ابن عربي وكتبوا عدداً من الكتب في منزلته وفضله، فكتب السيوطي كتابه تنبيه الغبي إلى تبرئة ابن عربي، وكتب عبد الوهاب الشعراني كتابه اليواقيت والجواهر في بيان عقيدة الأكابر، وكتب أيضاً تنبيه الأغبياء إلى قطرة من بحار علوم الأولياء..

وبالجملة فإن الرجل يتناوبه في علماء الإسلام لقبان كبيران: الشيخ الأكبر والشيخ الأكفر!

 

ويرجع قدر كبير من المنزلة المتقدمة لابن عربي للسلطان العثماني سليم الأول، فقد كان من أول قراراته حين دخل الشام تجديد ضريح الشيخ محيي الدين وبناء مسجد جليل عند ضريحه وقد تم ذلك عم 924 هجرية، وقد بات هذا الضريح اليوم أكثر معالم دمشق زيارة وحضوراً، وباتت مجالس الصوفية والذاكرين تنعقد كل يوم حول ضريحه، ولكن لم تنظم إلى اليوم نشاطات لإخاء الأديان عند ضريحه كما يجري كل عام عند ضريح الإمام جلال الدين الرومي في قونية.


وتعتبر فكرة إخاء الأديان محورية في كل كتابات ابن عربي، وقد تناولها من مداخل كثيرة، يجمع بينها إيمانه الراسخ بكرامة الإنسان، وأنه مشروع الله في الأرض، وأنه مهما شرق أو غرب فهو متجه إلى الله وأن كل الطرق تؤدي إلى الله وأن الله تعالى يرسل المرسلين مبشرين ومنذرين، وأنهم عائلة واحدة ومشروع واحد، تتعدد أوطانهم وأزمانهم وأساليبهم وطقوسهم، ولكنهم يعملون للحقيقة ذاتها وهي أن الله روح العالم ومصدره ومديره ومدبره، وأنه لا يكون في الكون إلا ما شاء الله أن يكون، وأن خضوع الكون للواحد سبحانه يقتضي احترام الأديان كافة والمرسلين كافة والحكماء كافة بوصفهم مظهر تنفيذ أمره وظهور مشيئته.

ويمضي في شرح الفكرة من حيث المبدأ بتأكيد ظاهرة الناسخ والمنسوخ في الدين، ويقول: إننا متفقون على وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن، ولكننا لا نزيل المنسوخ منه، والشيء نفسه يمكن قوله عن الشرائع الأخرى، بمعنى أن نسخ الإسلام “لجميع الشرائع المتقدمة لا يخرجها عن كونها شرعا له” وهو نسخ يعادل من حيث مضمونه النفي الشامل والتمثل الكامل لها في أحكامه الجديدة.

 

ويطيل ابن عربي في التأسيس على عقيدة الناسخ والمنسوخ بوصفها تأسيساً للإطار الزماني والمكاني للتشريع، وأن حصول النسخ لا يعني أي انتقاص من كمال الله وكمال النبوة، وإنما هو إرادة إلهية حكيمة، لتأكيد معنى قوله تعالى: كل يوم هو في شأن.

 

ويختصر ابن عربي موقفه من عقائد الأمم بقوله: فما أحد في العالم إلا وهو على الصراط المستقيم[4]

ويوضح ابن عربي اختياره بعبارة شديدة الوضوح فيقول في فصوص الحكم:

وبالجملة فلا بد لكل شخص من عقيدة في ربه، يرجع بها إليه ويطلبه فيها، فإذا تجلى له الحق فيها، عرفه وأقر به، وإن تجلى له في غيرها، أنكره وتعوذ منه وأساء الأدب عليه في الأمر نفسه، وهو عند نفسه أن قد تأدب معه، فلا يعتقد معتقد إلهًا، إلا بما جعله في نفسه، فالإله في الاعتقادات بالجعل، فما رأوا إلا نفوسهم، وما جعلوا فيها. فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص، وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير، بل يفوتك العلم الأمر على ما هو عليه، فكن في نفسك هيولى لصورالمعتقدات كلها، فإن الله أوسع من أن يحصره عقد دون عقد.[5]

وفي السياق إياه يطرح ابن عربي قصيدته الشهيرة:

لقد كنت قبلاً منكراً كل صـــــــاحب  ***   إذا لم يكن ديني إلى دينـــــــــهِ دانٍ

لقــد صــارقلبــي قــابلا كــل صــورة *** فمرعـــى لغـــزلان وديـــرلرهبـــان

وبيـــت لأوثــــان وكعبـــة طــــائف *** وألـــواح تـــوراة ومصـــحف قـــرآن

أدين بديــــــن الحب أنى توجهــــــت *** ركائبـــــه فالحب ديني وإيماني[6]

 

وكان يقول: لن تبلغ من الدين شيئاً حتى توقر جميع الخلائق.[7]

 

كما ينطلق من زاوية أخرى أن العابدين مهما عبدوا فهم يبحثون عن الذات الإلهية، وهو المقصود بقولهم: لو حسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به، فهو لا يرى العبادة إلا لله ولو كانت الصور مختلفة، فالقصد هو الله، وأن مظاهر العبادة ليست هي جوهرها ولا مقصودها ولا غاياتها، بل المقصود من العبادات هو الغاية التي يسير إليها العابدون.

ويتناول ابن عربي نصوص العذاب الكثيرة في القرآن الكريم التي توعدت فيها الآيات طوائف من غير المسلمين، فيقول:

وأما أهل النار فمآلهم إلى النعيم، ولكن في النار؛ إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العذاب، أن تكون بردا وسلاما على من فيها، وهذا نعيمهم فنعيم أهل النار، بعد استيفاء الحقوق، نعيم خليل الله، حين ألقي في النار”[8]

فلا بد من نفوذ الكلمة، ثم يكون المآل للرحمة، التي وسعت كل شيء، فهو في الدنيا يرزق مع الكفر، ويعافي ويرحم، فكيف مع الإيمان والاعتراف في الدار الآخرة على الكشف، كما كان في قبض الذرية ؟، فعقابهم وعذابهم تطهير وتنظيف، كأمراض المؤمنين، وما ابتلوا به في الدنيا من مقاساة البلايا، وحلول الرزايا مع إيمانهم، ثم دخول بعض أهل الكبائر النار مع إيمانهم وتوحيدهم، إلى أن يخرجوا بالشفاعة، ثم إخراج الحق من النار من لم يعمل خيرا قط، حتى الساكنين في جهنم لهم فيها حال يستعذبونها، وبهذا سمي العذاب عذاباً [9]

 

وينتهي ابن عربي من ذلك كله إلى ست حقائق يعتبرها أصلاً في التوحيد:

المقدمة الأولى: الإحسان إلى جميع الخلق؛ مؤمنهم وكافرهم، ظاهراً وباطناً.

المقدمة الثانية: أن الله تعالى لم يقصد إلى إفناء الكافرين، بل بقاءهم، لتحقيق حكمة الخلق.

المقدمة الثالثة: أن الرحمة الإلهية وسعت كل شيء.

المقدمة الرابعة: أن الله تعالى يرزق في الدنيا، حتى مع الكفر.

المقدمة الخامسة: أن العقوبات الدنيوية تطهير وتنظيف، كالأمراض تصيب المؤمنين

المقدمة السادسة: أن أهل الكبائر من الموحدين، وكذا من لم يعمل خيراً قط، وأنهم يخرجون بالشفاعة.

ويمضي ابن عربي في تقرير موقفه من إخاء الأديان واحترام مقاصدها واعتبار أساليبها في بناء الإيمان والفضيلة، فيقول:

“فكل إنسان عقيدته ما جعله في نفسه، فكل من عبد ما جعله في نفسه فقد أصاب، والحذر من التقيد بدين خاص، فالخير الكثير في الاعتقاد بجميع الملل والعقائد، وقبول جميع المعتقدات دون تفريق، وذلك أن عبادة الله تعالى، لا تنحصر في دين دون غيره، ولو كان الإسلام نفسه، لكونه واسعا.. هكذا يقرر ابن عربي، بل ويستدل عليه بالقرآن، ويقول: وبالجملة فلا بد لكل شخص من عقيدة في ربه، يرجع بها إليه ويطلبه فيها، فإذا تجلى له الحق فيها، عرفه وأقر به، وإن تجلى له في غيرها، أنكره وتعوذ منه وأساء الأدب عليه في نفس الأمر، وهو عند نفسه أن قد تأدب معه، فلا يعتقد معتقد إلها، إلا بما جعله في نفسه، فالإله في الاعتقادات بالجعل، فما رأوا إلا نفوسهم، وما جعلوا فيها.

فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص، وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير، بل يفوتك العلم الأمر على ما هو عليه، فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها، فإن الله أوسع من أن يحصره عقد دون عقد، فإنه يقول: {فأينما تولوا فثم وجه الله}”.[10]

ويشرح ذلك في قصيدته الشهيرة في الفتوحات:

عقد الخلائق في الإله عقائدا *** وأنا شهدت جميع ما اعتقدوه
لما بدا ما صوروا متحولا *** قالوا بما شهدوا وما جحدوه[11]

وقد رويت الأبيات نفسها من كلام الحلاج بصيغة وأنا اعتقدت جميع ما عقدوه.

وفي تعبير واضح صرح ابن عربي: إن للحق في كل معبود وجهاً يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله.[12]

وفي ديوانه ترجمان الأشواق:

بذي سَلَم والدير من حاضر الحمى*** ظباء تريك الشمس في صورة الدمى

فأرقب افلاكاً وأخدم بيعــــــــــــة *** وأحرس روضاً بالربيع منمنما

فوقتــــــــاً أسمَّى راعي الظبي بالفلى*** ووقتاً أسمى راهباً ومنجماً

تثلث محبوبي وقد كان واحداً *** كما صيروا الأقنام بالذات أقنما[13]


ومن المناسب أن نذكر هنا المنطلقات الخمسة التي استند إليها الصوفية في تقرير إخاء الأديان:

وحدة الوجود: وهي الاعتقاد بأنه لا وجود حق إلا لله وأن العالم صور وأوهام، حقق لا ترى إلا الله.

الحب الأزلي: ويرتكز على الإيمان المطلق بقوة الحب الإلهي الذي نفخ من ذاته في الخلق، فكانوا انبثاقاً منه وفيضاً وأثراً، فالكون من الله، يغمرهم بحبه ويشملهم بعشقه.

الربوبية: التي تقتضي ان الله مسؤول عن عباده وأنهم إن شردوا في درب فتلك إرادته وعنايته، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.

الجبر: وهي قائمة على أساس أن الخلق عباده وأنهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، وأنهم مهما كان من طاعتهم أو عصيانهم ينفذون أمره وقدره وجبره.

الرضا: الرضا شأن المسلم، فلا يسخط من خلق خلقه الله، ولا يبغض ذاتاً خلقها الله، ويؤمن أنه في كل إيمان وكفر وطاعة ومعصية مراد لله، وشأن المؤمن أن يكون راضياً عن الله في سائر أقداره وخلقه وتدبير عباده