يعتبر الملك الكامل الأيوبي حاكم الشام من 1218-1238 أهم ملك في التاريخ الإسلامي يختار بناء علاقات إخاء وتكامل مع المسيحية على الرغم من ظروف الحرب الصلبيية المريرة التي كانت تعانيها البلاد.
ومع أن كتب التاريخ تذكر الملك الكامل في غاية الإجلال والتقدير، كحاكم صالح ودبلوماسي ناجح ولكن الاتهامات تتهافت عليه من كل وجه لموقفه المختلف من الصليبيين، حيث قام الكامل بتأسيس مساحة مشتركة للتعاون والتكامل مع المسيحيين قائمة على المساواة والإخاء.
ويمكن شرح ذلك من خلال موقفين اثنين:
الراهب فرنسيس الأسيزي: يعتبر الراهب فرنسيس الأسيزي أشهر كهنة العصور الوسطى وقد طوّبته [1]الكاثوليكية قديساً فيما بعد، والمدهش في الراهب الأسيزي أنه وفد إلى بلاد الشام في غمار الحروب الصليبية ومع ذلك فقد استطاع أن يتواصل مع الملك الأيوبي، وأن يحصل منه على إذن ببناء مراكز دينية للمسيحيين في الشرق الإسلامي وهو من الناحية العملية المؤسس الحقيقي لدير الرهبان الفرنسيسكان الموجود إلى اليوم.
الامبراطور فريدريك الثاني: كان الامبراطور فريدريك الثاني وقد قاد حملة صليبية حاشدة للحرب في القدس، وكان معه في الحملة الصليبية مقاتلون أشداء، ولكن الملك الكامل توقف عن المواجهة وأرسل للامبراطور للقائه، وفي لقاء فريد لم يكن معتاداً نجح الملك الكامل في الحوار مع الامبراطور، وبدلاً من خوض حرب طاحنة عرض عليه الملك الكامل أن يتولى الإشراف على كنائس القدس، وأن يكون ذلك تحت رعاية الدولة الأيوبية، وأن يمارس النصارى كل ما يريدونه من نسك الحج الديني والصلاة في كنائس بيت المقدس.
كان هذا الصلح مدهشاً غير معتاد، ورواه المؤرخون على أنه نوع من المكر يمارسه الملك بالامبراطور أو الامبراطور بالملك، ولكن متابعة دقيقة لتفاصيل هذه الحملة ونتائجها تقف بك على تأكيد حقيقة واضحة وهي ان كل ما جرى كان أثراً من إيمان الملك الكامل بإخاء الديانات الذي لا بد منه لأي حاكم يحكم شعباً فيه إثنيات دينية وعرقية.
ولا بد ان يكون لهذه اللحظة التاريخية أثر في الوعي بالإخاء بين الأديان، وقد كان الرجلان يحملان مؤهلات لذلك، فصراع فريدريك الثاني مع البابا كان على خلفية تمرد الامبراطور على المزايا الكهنوتية للبابا، وكان بمثابة دعوة تنوير وإصلاح مبكرة في وجه السلطات البابوية الغاشمة في العصور الوسطى، وبالتالي فإن الملك الكامل كان يرى ان الحرب ليست حلاً لإنهاء الصراع القائم على أساس ديني.
وفي تطور لافت فقد نال فريدريك إعجاب المسلمين ونظر إليه كرجل يكتم إيمانه، خاصة موقفه الصارم من البابا ومشروع الحروب المقدسة، فقد أصدر البابا الحرم تلو الحرم ضد فريدريك لانه لم يشارك في الحروب الصليبية، ويبدو أن الحملة من أساسها كانت بترتيب واتفاق بين فريدريك والملك الكامل، ويشير الصلابي: أن أهم أسباب نجاح فريدريك كانت تكمن في شخصيته الفريدة التي قرَّبته كثيراً إلى المسلمين، الذين كانوا يكنُّون له كل احترام، حتى إنهَّم اعتقدوا أنه أميل للإسلام، وكان يتقن اللغة العربية إتقاناً تاماً، لقد بهرت شخصية فريدريك المسلمين وسُلطانهم الكامل لأنَّهم وجدوا فيه العلم وسعة الأفق والتحرُّر من سيطرة الكنيسة، كما اعتقدوا أنه تغلب عليه روح التسامح والاحترام تجاه كل الأديان. [2]
وكتب المؤرح: كانتوروڤيتز Cantorowitz عن الرجلين: إن الملك الكامل كان صورة شرقية من الامبراطور، وإن الامبراطور كان صوره غربية من السلطان الملك الكامل، وعدت الاتفاقية نقطة تحول في التفكير العالمي، فقد ظهر أنصار يدعون إلى السلام وحل المشكلات عن طريق المفاوضات لا القوة، فالسلام الذي حل بين أصحاب الديانتين الإسلامية والمسيحية جعلهم يسخرون من الحروب التي دارت بين الطرفين[3]
وفي عام 1229 وقع الكامل معاهدة أعطى بمقتضاها فردريك كنائس مدينة بيت المقدس ما عدا الفضاء المحيط بقبة الصخرة المقدسة عند المسلمين، وأجيز فوق ذلك للحجاج المسيحيين أن يأتوا إلى هذا الفضاء ليؤدوا فيه صلواتهم في موضع هيكل سليمان، وسمح للمسلمين بمثل هذه الحقوق في بيت لحم. ونصت المعاهدة فوق ذلك على إطلاق جميع الأسرى من الطرفين المتعاقدين، وتعهد كلاهما أن يحافظ على السلم عشر سنين، والتقت الثقافتان المسيحية والإسلامية فترة من الزمان وهما متفاهمتان، تحترم كلتاهما الأخرى، ووجدتا أن في وسعهما أن تعيشا معاً في صفاء ووئام.[4]
وتعرض الملك الكامل لهجوم شديد من التيار السلفي في الإسلام الذي رأى في هذا اللون من الحوار والإخاء مع النصارى خيانة لقيم الجهاد والمواجهة التي يفترض أن تواجه بها الحروب الصليبية، وباتت تذكره كثير من المصادر التاريخية على أنه خائن باع القدس!
ولكن الأمر لم يكن على هذه الصورة، فقد كان الرجل واعياً بما يصنع، واستطاع أن يجد مشتركاً بين حماية المقدسات وفتح أبواب الإخاء مع النصارى، وكان فريدريك الثاني يؤكد سراً وعلناً أنه مدين للسلطان المعظم الملك الكامل الأيوبي في كل خدمته للكنائس المسيحية في القدس وأنه يعمل تحت إمرة السلطان وسديد توجيهه.
ورويت أخبار كثيرة في جو الوئام الذي ساد بين الامبراطور الألماني وبين الملك الكامل والجمهور المسلم الذي وجد من الامبراطور تودداً غير عادي، وكان يتحدث في المجالس بقوله: نحن خدام مولانا الملك الكامل، ومماليكه، كما اشتهرت القصة أن القاضي شمس الدين قاضي نابلس منع المؤذنين من الأذان في المساجد خلال زيارة الامبراطور تنفيذاً للاتفاقية، ولكن الامبراطور اعترض على ذلك وقال: أخطأتم يا قاضي، تغيرون أنتم شعاركم وشرعكم ودينكم لأجلي، فلو كنتم عندي في بلادي، هل كنت أبطل ضرب الناقوس لأجلكم، الله الله لا تفعلوا هذا، هذا أول ما تنقصون عندنا، ويلاحظ أن الملك الكامل أخطأ بوقف الأذان والتسبيح حتى أن الإمبراطور عاب عليه هذا التصرف، وأوضح أنه كان يرغب في سماع أذان المسلمين وتسبيحهم في الله، وقد اعتقد العيني أن الأمبراطور كان يبطن السلامة ويتلاعب بالنصرانية[5]
واستمرت العلاقة قائمة بين الإمبراطور فردريك وأبناء الملك الكامل بعد وفاته، وقد تعدّت العلاقة بين الطرفين التحالف السياسي إلى حَدّ التبادل الفكري والثقافي والتمازج الحضاري، الذي كان أباطرة الدولة المقدسة مهيَّئين له بسبب تواجدهم في صقلية التي كانت مركز تفاعل حضارات المتوسط[6] ويمكن القول إن الامبراطور الألماني فريدريك الثاني أسس لحركة الاحتجاج الأكبر في التاريخ المسيحي التي بلغت ذروتها على يد مارتن لوثر مطلع القرن السادس عشر.
لا نملك في الواقع تفاصيل كافية لبيان الموقف الفلسفي للملك الكامل الأيوبي، وربما لا يطلب من الملوك أن يكونوا فلاسفة، ولكن ما أبداه الملك الكامل من وعي متقدم لمشروع الراهب أسيزي وكذلك احتواؤه لمشروع الامبراطور على أساس إعلان قيم حضارية مشتركة تؤسس لإخاء الأديان بعد حروب طاحنة استمرت مائة وثلاثين عاماً يعتبر سبقاً فريداً في التاريخ الإنساني.