الحلاج
الحسين بن منصور الحلاج، صاحب الطواسين 244-309 هجرية عاش ومات في العراق
قد يكون الحلاج الفريد من المشاهير الذي تم قتله بالفعل بتهمة الردة، فليس صواباً أنّ القتل بالردة كان شائعاً، بل كان نادراً، ولم يقتل أحد بالردة إلا ووراء الحكم قدر غير قليل من اليساسة، والحلاج نفسه كان متهماً بتأييد الإسماعيلية والدعوة للرضا من آل محمد، وهي تهمة كانت تكفي لوصمه بالقرمطية وقتله، صحيح أنّ الأئمة الفلاسفة قد تم تكفيرهم في عصور لاحقة ولكنهم في الواقع عاشوا وزراء مكرمين كابن المقفع وابن سينا والبيروني والفارابي والسهروردي وابن طفيل وابن باجة وابن رشد ولسان الدين ابن الخطيب، وقد تغيرت عليهم الأيام بتقلبات السياسة ومكرها، ولكن من غير الواقعي أن نقول إنهم قد حوكموا بالردة أو أعدموا فيها.
يبقى الحلاج فريداً في هذا الموقف، مع تسليمنا بان آخرين تعرضوا لهذا اللون من العقاب ولكن لم نجد من المشاهير من أعدم بتهمة الردة إلا وله موقف سياسي استفز السلطان وأغضبه فسخر في سبيل ذلك فتاوى التكفير.
ويمكن القول إن الحلاج قد بنى موقفه من وحدة الأديان تأسيساً على مذهبه في التسليم لله وإسقاط التكليف بإسقاط الإرادة، فالله وحده هو من اختار للناس معارفهم ومواقعهم ومصائرهم وعقائدهم ومآلاتهم، ومن غير الواقعي بناء على هذا الموقف أن يكون التفاوت في الحساب يوم القيامة مبنياً على أديان الناس، فهي ليست اختيارات العبد بل هي إرادة المعبود وحده، وهو ما كان يشرحه في البيتين الشهيرين:
ما يفعل العبد والأقدار جارية *** عليه في كل حال أيها الرائي
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له *** إياك إياك أن تبتل بالمــــــــاء[1]
سبحان من أظهر ناسوته *** سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهراً*** في صورة الآكل الشارب
حتى لقد عاينه خلقه *** كلحظة الحاجب بالحاجب[2]
وننقل عنه بعض ما روي في موقفه من إخاء الأديان:
قال الحلاج “يا بني الأديان كلها لله. شغل بكل دين طائفة لا اختيارا فيهم بل اختيارا عليهم. فمن لام أحدا ببطلان ما هو عليه فقد حكم انه اختار ذلك لنفسه. [3]
واعلم أن اليهودية والنصرانية والإسلام وغير ذلك من الأديان هي ألقاب مختلفة وأسام متغايرة والمقصود منها لا يتغير ولا يختلف”. ثم أنشد:
تفكرت في الأديان جدا محققا … فألفيتها أصلا له شعب جماً
فلا تطلبن للمرء دينا، فإنه …. يصدّ عن الوصل الوثيق، وإنما
يطالبه أصل يعبر عنده …. جميع المعالي والمعاني فيفهما [4]
وأما الجحيم فلم يكن الحلاج يقرؤها على الصورة التي يقدمها الفقهاء، ولم تكن تعني له ناراً كلما نضجت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، بل كانت تعني عنده الفناء في الله والاستغراق في وصاله، وقال:
وكل مآربي قد نلت منها *** سوى ملذوذ وجدي بالعذاب[5]
وعلى الرغمن من أن إعدام الحلاج كان بأمر من الخليفة المقتدر ومكر من الوزير حامد بن العباس، وشهود عدد كبير من الفقهاء والمشايخ، ولكن طائفة غير قليلة من الفقهاء كانوا يتحدثون عن الحلاج كواحد من أعظم أئمة الإيمان، ومنهم الشبلي وابن الخفيف وابن عطاء الله السكندريونصر الحادب والواسطي والنصرابادي الذي قال: إن كان بعد النبيين والصديقين موحد فهو لحلاج بلا ريب.
وسيبقى الحلاج لغزاً في تاريخ التفكير في الإسلام، ولا تزال الآراء فيه في غاية التناقض، ولكنني لا أتردد في القول إن يوم صلب الحلاج كان يوماً أسود مشؤوماً في تاريخ الحضارة الإسلامية، وإن إعادة الاعتبار للحلاج مسؤولية تاريخية، وهو بحق أشهر الرجال الذين صلبوا بسبب أفكارهم وحريتهم في الاعتقاد