Human Fraternity

الإمام البيروني

أبو الريحان البيروني (362-444 هجرية) كان أبرز علماء الدولة الغزنوية، التي سيطرت على الخلافة العباسية. كان يتقن سبع لغات، وهو أول من شرح دوران الأرض حول محورها، ويعتبر من أعظم العقول عبر التاريخ…

أما الجانب الأهم من حياته فهو موقفه من أديان الهند، فقد كلفه السلطان محمود الغزنوي أن يزور الهند ويتعرف إلى فلسفتها، وبعد سنوات عديدة أمضاها في الهند تعلم فيها اللغة السنسكريتية، كتب رؤيته في أديان الهند في كتاب خاص بعنوان (تحقيق ما للهند من مقولة في العقل أو مرذولة)… وكان مدهشاً أنه أكد أن الأصل في العقيدة عندهم هو التوحيد، وأن المثقفين منهم لا يعرفون خالقاً ولا رازقاً إلا الله، وأن جوهر فلسفة الهند هي الإيمان، وأكد أنّ الاعتقاد لدى حكماء الديانة الهندوسية يتجه إلى التوحيد، فيما يرتع العامة بالتعدد والشرك وعبادة الأيقونات!

وفي عبارة دقيقة يكتب البيروني شارحاً المعتقدات الهندوسية بقوله: «واعتقاد الهند في الله سبحانه أنه الواحد الأزلي من غير ابتداء ولا انتهاء، المختار في فعله، القادر الحكيم أي المدبر المبقي، الفرد في ملكوته… لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء».

ومن النصوص السنسكريتية أدهش البيروني العالم بالكشف عن التوحيد في عقيدة الهندوس، عرفاناً صوفياً خالصاً، الله طاهر، وغير متجسد، ولا صورة له، وهو واحد أحد لا ثاني له، ولا يمكن رؤيته ولا تجسيده وكل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك.

وأشار البيروني إلى أن حكماء الهند يقفون بجلال وهيبة أمام حضرة الله تعالى، ويسمونه البراهما، ولا يقدمون له أي وصف أو تمثال، ويقولون: نحن أقل من أن نتوجه إليه وهو أكبر من أن يصغي إلينا، والعجز عن الإدراك إدراك، والبحث في ذات الله إشراك..

وفي عبارة دقيقة يكتب البيروني شارحاً المعتقدات الهندوسية بقوله: «واعتقاد الهند في الله سبحانه أنه الواحد الأزلي من غير ابتداء ولا انتهاء، المختار في فعله، القادر الحكيم أي المدبر المبقي، الفرد في ملكوته… لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء».

وفيما يلي نصوص من الفيدات والأوبانيشادات في وصف الخالق، الإله الأعلى

·         «لا صورة له»                     [yajurveda ، 32/3]

·         «هو طاهر وغير متجسد»          [yajurveda ، 40/8]

·         «اهدنا الصراط القويم واغفر الذنوب التي تجعلنا نضل ونضيع»     [yajurveda ، 40/16]

·         «أيها الأصدقاء لا تعبدوا سواه، القدوس، ادعوه هو وحده»   [Rigveda ، 8/ 1]

·         «واحد أحد لا ثاني له»             [Chandogya ، 6/2]

·         «لا والدين له ولا سيد فوقه»         [Shvetashvatara، 6/9]

·         «لا يمكن رؤيته ولا تجسيده».        [Shvetashvatara، 4/9]

 

 

ثم ينقل البيروني صفة الله عندهم عن كتاب من كتبهم يسميه (باتنجل): «وهو وإن غاب عن الحواسّ فلم تدركه فقد عقلته النفس، وأحاطت بصفاته الفكرة، وهذه هي عبادته الخالصة، وبالمواظبة عليها ينال السعادة؛ فهذا كلامهم في هذا الكتاب المشهور».

وتحدث البيروني ببالغ الاحترام عن الصابئة الحرانية، وقال في كتابه (الآثار الباقية في الأمم الخالية): الصابئة أناس يوحدون الله وينـزهونه عن القبائح، كقولهم: لا يحد، ولا يُرى، ولا يظلم ولا يجور، ويسمونه بالأسماء الحسنى مجازاً.

وأفرد في كتابه تفسيراً مختلفاً لعقيدة النصارى في الأب والولد، وتحدث عن أثر اللغات في تغير المصطلح، وأن الأبوة هنا أبو الكل: أصعد إلى أبي وأبيكم، وأظهر إنصافاً غير معتاد أبداً في حوار الأديان في تلك المرحلة من التاريخ…

وبمثل هذا تحدث عن الديانة الزرادشتية والبوذية واليهودية، وكان مدهشاً في روايته لأقوال الأديان بكل احترام، فكان يظهر أجمل ما في هذه الأديان ويلتمس لأصحابها المعاذير، في حيادية مدهشة لم يكن العالم يعرفها آنذاك…

كان أبو الريحان يرى أن الأديان كلها تدل على الله، {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله}، وأن على الأديان أن تدرك أنها صادرة من ذات واحدة، وأن على أتباعها أن يتعاونوا في القضاء على الفقر والتسول والمرض والظلم، وأنه يجب وقف التبشير القائم على تسخيف دين الآخرين، وتشويه أنبيائهم..
لقد ألزم البيروني نفسه أن لا يُقحم نفسه في خطاب حجاجيّ قائم على ثنائية الحق والباطل والنور والظلام والهدى والزيغ، وأكد أن ذلك شأن الانفعاليين وليس شأن العلماء الموضوعيين.

لقد تحدث عن الأديان باحترام بالغ، واعتبرها إلهية المصدر، وأكد دور الإنسان في تطورها واستكمالها، ورسم صورة جميلة للمانوية واليهودية والهندوسية، وهذا قدر من الإنصاف لا تعرفه الأمم التي ظلت تتقاتل بعد البيروني ألف عام لإثبات صحة عقائدها.

 حين تقرأ عبارات البيروني في الأمم والأديان تسمع في ثنايا خطابه: أمة بين الأمم وليس أمة فوق الأمم، ونبي بين الأنبياء وليس نبياً فوق الأنبياء، ودين بين الأديان وليس ديناً فوق الأديان…….