Human Fraternity

اخوان الصفا

 

ظهر إخوان الصفا في البصرة في العصر العباسي، في فترة شهدت الصراع بين المعتزلة وأهل السنة، وهي الصراعات التي عانى منها الفقهاء أيام المأمون والمعتصم والواثق ثم عانى منها الفلاسفة أيام المتوكل والمنتصر والمستعين، وتحددت ملامح الصراع الاعتقادي بين تيارين واضحين، تيار يرى ثبات النص وأزليته، وتيار يرى تحرك النص وتاريخانيته.

ومن المؤكد أن إخوان الصفا كانوا يميلون للرأي الثاني، وكانوا أقرب إلى الفلسفة الاعتزالية، ولعل ذلك يفسر غيابهم وتخفيهم وحرصهم على كتابة أفكارهم ونشرها دون التصريح بأسمائهم، وفي الواقع فإن الأسماء الحقيقية لكتاب إخوان الصفا ما زالت محل شك وقد ذكر منهم أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة خمسة وأثنى عليهم طيب الثناء وهم: محمد بن مشير البستي المشهور بالمقدسي، وأبو الحسن علي ابن هارون الزنجاني، والعوفي، وزيد بن رفاعة، والنهرجوري، ويعتبر كثير من الباحثين أن أبا حيان التوحيدي منهم، ومنهم من يضيف ثابت بن قرة وأبا إسحق الصابئي إلى مجموعة إخوان الصفا باعتبارهم أيضاً دعاة للإنسانية.

 

ويعتبر الإسماعيليون أن إخوان الصفا هم أئمة أهل البيت الذين كانوا يعيشون مرحلة الستر في البصرة قبل ان يقدموا من البصرة إلى تدمر ثم إلى سلمية ومصياف، قرب حمص، حيث يقام ضريح جليل لقبورهم على رأس تلة خضراء في وسط غابة غاية في النقاء والجمال.

ويسمي أهل مصياف إخوان الصفا بأنهم الإمام التقي والوفي والزكي، وهم النسب الذي بين عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية وبين إسماعيل بن جعفر الصادق مؤسس البيت الإسماعيلي.[1]

ويمكن فهم الظاهرة بأنها كانت منصة يلتقي فيها من يؤمن بالتفكير العقلاني الحر، والمذهب الإنساني، ويؤمن بكمال الله تعالى ويتأول كل نقص أو وهن أو جهل توهمه ظواهر النصوص بحق الخالق سبحانه، ويجمعهم أيضاً أنهم كانوا معارضين للدولة العباسية ولم يكن يمكنهم الظهور للعلانية.

ومع أن المذكورين من إخوان الصفا لا يزيدون عن عدة أفراد ولكن من المؤكد أن مئات المفكرين والباحثين كانوا ينتمون إلى هذه المنصة المعرفية النخبوية، التي كانت تستخدم الحمام الزاجل في التراسل والتواصل، وقد نجحت في إيصال رسائلها ونشرها عبر مراحل متطاولة من التاريخ.

وقد كتب إخوان الصفا قراءتهم في سلسلة من الدراسات نشرت بشكل سري وخفي، أبرزها رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا.

وتشتمل رسائل إخوان الصفا على اثنتين وخمسين محاضرة شرح فيها إخوان الصفا عدداً من القضايا الفكرية المتصلة بتهذيب النفس والعلاقة بين الشريعة والحقيقة، والمشترك الإنساني، وتعتبر من الدراسات المتقدمة في الإسلام التي تؤسس لفكرة الإخاء الإنساني بين الأديان والثقافات والقوميات، حيث يشترك الخلق جميعاً في انتمائهم إلى الله واقتباسهم من نوره وروحه، فيتعين إكرام الإنسان لمكان سر الله تعالى فيه بغض النظر عن دينه وجنسه.

وفي اختيار طريف يقدم إخوان الصفا صورة الإنسان الكامل برسم مزيج من الأمم يتخير أجود ما فيها: العالم الخبير الفاضل، الذكي المستبصر، الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي السيرة.

وبغض النظر عن هذا الانتقاء فإن الفكرة واضحة وهي أنّ لكل أمة مزايا وفضائل، وأن بلوغ الكمال يقتضي الاقتباس من جميع الأمم، ويصرون على اكتشاف ما أودع الله في المسيحيين والهنود واليونان من العلم والحكمة والنور.

ويقدم إخوان الصفا رؤيتهم في إخاء الأديان في عبارة واضحة: إن جميع الأديان في جوهرها واحد، لأن لها غاية واحدة هي التعلق بالمثل العليا الفاضلة والتشبه بها على قدر الطاقة الإنسانية.

ويؤكد إخوان الصفا أن الاختلاف في الرأي والشكل واللون من طبيعة الإنسان، ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، ولو شاء الله لجعل الناس رأياً واحداً، وديناً واحداً ولا يزالون مختلفين، ولذلك خلقهم، ومما ورد في الرسائل:

وينبغي لإخواننا أيدهم الله تعالى، أن لا يعادوا علماً من العلوم أو يهجروا كتاباً من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب.                

ويقسم إخوان الصفا الناس إلى أربعة أقسام:

  • الذين لم يؤتوا العلم ولا الإيمان .. الجهلة المفرطون لا اهتمام لهم إلا لذائذهم وغرائزهم
  • الذين أوتوا الإيمان .. وهم المصدقون بالرسل ولا يملكون برهاناً ولا معرفة
  • الذين أوتوا العلم.. وهم الفلاسفة الذين جمعوا المعارف من مظانها ولم يلتفتوا لوحي ولا كتاب.
  • الذين أوتوا العلم والإيمان.. وهم الذين جمعوا بين العلم الإنساني والفيض الروحاني.

 

وتؤكد الرسائل بتفصيل شديد أن الاختلاف بين الناس هو إرادة الله تعالى، وأنه ليس من العقل العمل على إنهاء الاختلاف، ولاختلاف الشرائع فوائد كثيرة، أهمها أنها أيقظت النفوس من نوم الجهالة ونبهتها من السهو والغفلة، واختلاف الناس في المذاهب والآراء يمنحك مشاهدة الخير والشر، ويدعو إلى ترك الرذائل واكتساب الفضائل، واختلاف العقائد هو الطريق الواحد المستقيم الذي يوصل الإنسان إلى الكمال والهدف المطلق.

وتؤكد الرسائل أنّ اختلاف الأديان ناشئ من أسباب موضوعية يعدون منها اختلاف الأبدان والطباع والمناخ والنجوم، وأن الرسل جميعاً يحملون دعوة واحدة للفضيلة والخير وتختلف الشرائع بين عصر وعصر وأمة وأمة ودين ودين: لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً.
فدين الأنبياء دين واحد، ومسلكهم جميعاً مسلك واحد، ومقصدهم مقصد واحد وغرض واحد، وإن اختلفت شرائعهم، صلوات الله عليهم[2]

 

 

[1]