Human Fraternity

الفارابي


إخاء الأديان وكرامة الإنسان

الفارابي أبو نصر.. أشهر فلاسفة الإسلام 260-340 هجرية، إنه الرجل الهائل الذي طبقت شهرته العالم، وأطلق عليه فلاسفة العالم اسم المعلم الثاني، واعتبر أشهر الفلاسفة بعد أرسطو.


من وجهة نظري فالفارابي أول من قدم فلسفة إسلامية عميقة لإخاء الأديان وكرامة الإنسان، تأسيساً على معنى توحيدي خالص وهو انبثاق الكائنات عن الله، وبذلك فقد تجاوز الفهم التقليدي لرجال الدين القائم على تصور أن الله خلقنا للجنة وخلق غيرنا للنار…!!


وربما كان الفارابي أول من سبق إلى ترسيخ مبدأ المجاز في تفسير النص الديني، وقال إن الديانات تشرح الحقائق العميقة للناس على شكل حكايات وروايات قائمة على الرمز!!!

يقدم الفارابي رؤية أخرى للخلق لا تشبه قصة آدم وحواء وشجرة التفاح، لقد تحدث عن الخلق بالفيض، وهذا الفيض يصدر من الخالق سبحانه، فينتج ذاتاً جديدة، ويقدم هذا المخلوق كوكباً أو بشراً أو حجراً على أنه أثر من العقل الفعال الأول سبحانه، فالمخلوق فيض من الخالق وهو كالنَّفَس من المتنفس والكلام من المتكلم والظل من الذات…. وهذ الاندغام بين الخالق والمخلوق يوجب على الحكيم احترام الخلق كاحترام الخالق، ويكرس صورة الذات المترقية في المخلوق، ويسميها العقل.


المخلوق عند الفارابي ليس حجراً أبله، إنه مشروع وجود جديد، إنه العقل الثاني الصادر عن العقل الأول، إنه ديالكتيك ينتج نفسه من جديد، في دورة كاملة، ففيه من عقل الله وروحه، وهو يقاوم نوازع الشر بفيضان ذاتي ينتخب أحسن ما في الأشياء ويهمل الرديء منها…


ولم يكن يرى في ذلك تناقضاً مع الوعي الإسلامي، فقد كان يرى ذلك غاية النص المباشر: ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وكرر مراراً قل كلٌ من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً….


أشار الفارابي مراراً أن النبي أفضل من الفيلسوف للعامة، وأما الفيلسوف فهو الأنسب للخاصة، لقد أراد أن يقول إن الأنبياء لم يكتبوا فلسفة عميقة ولكنهم عزفوا على أوتار صحيحة وكانوا أقرب لقلوب الناس من الفلاسفة.


يؤكد الفارابي أن الخير هو صفة الإنسانية الغالبة وأن الشر قليل، وأن إرادة الخير تطفئ نوازع الشر وأن مشروع الله على الأرض ناجح ومتنام، وأن الناس فيض من الله وانبثاق من ذاته، ولا شك أن وعياً كهذا سيجعله إلى جانب أي مشروع إخاء بين أفراد الأسرة الإنسانية.

 

وقد صنف الفارابي كتاباً خاصاً بعنوان الملة، يتحدث فيه عن عقيدة المجتمع في المدينة الفاضلة، ويقول فيه: “الملة؛ هي آراء، وأفعال مقدرة ومقيدة بشرائط يرسمها للجمع رئيسهم الأول، ويلتمس أن ينال باستعمالهم لها غرضًا محدّدًا له، فيهم أو بهم، والجمع، ربما كان عشيرة، أو مدينة، أو صقعًا، أو أمة عظيمة، أو أممًا كثيرة. والرئيس الأول، إن كان فاضلًا، وكانت رئاسته فاضلة، في الحقيقة؛ فإنه يلتمس بما يرسم، أن ينال، هو وكل من تحت رئاسته، السعادة القصوى؛ التي هي، في الحقيقة، سعادة. وتكون تلك الملّة فاضلة”[1]

 

ويؤكد الفارابي في كتابيه الأساسيين آراء أهل المدينة الفاضلة، وكتابه الملة أن الملة الإنسانية الأفضل هي تلك الملة التي تتأسس في ذروة تطور الصناعات الفكرية والعملية،[2] وبذلك فإنه يظهر احتراماً واضحاً لخيارات الناس في التدين والفلسفة طالما أنها تأتي في سياق القبول الاجتماعي والاعتماد بقانون.

 

ومن الواضح أن الفارابي يلتزم موقفاً بالغ الحيادية في تعريف الملة، ولا يتخذ موقف المبشر بالإسلام، أو الناسخ لسواه، وإنما يتحدث عن الدين على أنه وضع اجتماعي، يستند إلى قيم عليا، ومقتضاه أن يتاح للناس التعبد بأديانهم واختياراتهم وفق ما يقره القانون، أو الرئيس بتعبيره، وهذا في الواقع سبق كبير يتيح لنا أن نكرر ما نقوله دائماً إن إعلان حقوق الإنسان هو نتاج جماعي لكل فلاسفة التاريخ وأنبيائه وعقلائه وحكمائه، والفارابي هنا واحد من أبرزهم.

وأما موقفه من عذاب الأمم في الدار الآخرة وفق ما قرره القرآن الكريم، فهو لا يكتب في ذلك شيئاً ولكنه يؤكد مرات عديدة في كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة أن البعث الأخروي هو بعث روحي وليس جسمانياً، وأن الحياة الآخرة هي حياة فكرية، وأن نعمة الحكمة والفلسفة التي يؤتاها الفلاسفة هي أعظم نعم الله، وهي الحياة المثلى في عالم الخلود،[3] وهو ما كرره بعده بكثرة محمد إقبال بقوله: الجنة والنار حالتان وليستا مكانين.[4]

 

[1] الفارابي، أبو نصر، كتاب الملة، تحقيق محسن مهدي، ص 43، دار المشرق، 1991

[2] مهدي، محسن، الفارابي وتأسيس الفلسفة السياسية الإسلامية، ص 107

[3] الفارابي، أبو نصر، آراء أهل المدينة الفاضلة، ص 56 دار المشرق بيروت

[4] انظر الفصل الخاص بإقبال في هذا الكتاب