إخاء الأديان وكرامة الإنسان
يشتهر ابن سينا بدوره كعالم طبيعة وطب، ولكن قل أن نشير إليه بوصفه أستاذ العقيدة الأكبر في الإسلام، وأكثر من قدم الله لعباده عدلاً وحباً ورحمة… وهو واضع عقيدة برهان الصديقين على وجود الله تعالى….
عاش ابن سينا 370-427 في أوزبكستان، وانتقل في حواضر الإسلام بين نيسابور وأصفهان وبخارى وهمدان، وابتسم له الحظ فنجح كطبيب طامح في شفاء الأمير نوح الساماني وهو في سن الثامنة عشرة، وأصبح بالتالي طبيب البلاط وتوفرت له فرص النجاح والمعرفة بشكل خيالي… ونجح الفتى في ترقي المناصب حتى صار وزيراً للسامانيين، ولكنه بالطبع بعد سقوط الدولة السامانية تعرض للاضطهاد والهرب مراراً أيام الغزنويين
وبعيداً عن تاريخه السياسي والطبي، فالرجل كتب في العقيدة أدق ما يمكن أن يكتبه عارف بالله، بصير بأقداره، معظم لجلاله، وقد بنى عقيدته على أساس إخاء الأديان وكرامة الإنسان، فاعتبر الإنسان روحاً مقدسة، هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع، وأن هذه الروح فيها طيف الله وأثر الله وسر الله، وأن تعظيم روح كل إنسان وتوقير كل الأديان هو طاعة لله تعالى واحترام لخلقه وأمره.
وفي تأويله للنفس كان حريصاً على تقديس النفس الإنسانية بوصفها روحاً إلهية في الإنسان، وأن احترام النفس هو احترام لله تعالى، وهي تترقى وتتهذب بتعاليم الأنبياء وهدي الأديان ونور الفلسفة.
أما جوابه على السؤال الذي يعصف بكل حائر، وهو ظاهر النص فيما يكون في الآخرة من عذاب وانتقام وزقوم وغسلين ونار سوداء، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، فقد اختار أن هذه النصوص كلها من باب المتشابه الذي نرتله ولا يلزمنا الاعتقاد بظاهره وإنما هو على المجاز في ذلك كله، وأن الأصل عدل الله تعالى ورحمته وغفرانه وما أمرنا به من العفو والإحسان، وأن البعث يكون للأرواح على وجه يعلمه الله وأنه قرب إلينا المعاني بعبارات من الظاهر وسبيلها المجاز.
وفي الواقع فإن ما ذهب إليه ابن سينا واللاحقون من الفلاسفة حول عدل الله تعالى، ووجوب تأويل كل نص يوهم الظلم لصرفه عن ظاهره تأسيساً على وجوب تنزيه الله عن كل نقص، هو مذهب سائر الفلاسفة في الإسلام وفي الأديان الأخرى، وقد تطورت هذه المدرسة في عصر الأنوار تطوراً كبيراً وقد كتب فيها الفيلسوف ليبنتز أطروحة فلسفية كاملة بعنوان الثيوديسيا، صارت عنواناً لكل جدل فلسفي يركز على سؤال التناقض والشر في العالم الأول والعالم الآخر، ووجوب تنزيه الخالق عن إرادة الشر في الدنيا والآخرة.
وقد ظهرت الثيوديسيا في الفكر الإسلامي بوجه خاص لدى المعتزلة الذين تمسكوا بمبدأ العدل والتوحيد في الذات الإلهية.
ومع أن ابن سينا لم يكتب مباشرة في إخاء الأديان، ولكن مذهبه واضح من تقديس النفس الإنسانية واعتبار أثر الله تعالى فيها وأنها حرية بالخلود، وأنها في دار النعيم إلى جوار الله تعالى، وهذا عام في كل أهل الملل والأديان.
ويمكن اعتبار ما روي عن الناسكين الأوائل في الإسلام مؤسساً لهذا اللون من الوعي، قال أبو سليمان الداراني: إن لله عباداً لا يشغلهم عن الله رجاء الجنة ولا خوف النار،[1] وقال الفضيل بن عياض: إني لأستحي من ربي أن أعبده خوف ناره،[2] وقال رابعة العدوية: إن قوماً عبدوه خوف ناره فتلك عبادة العبيد، وقوماً عبدوه رجاء جنته فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوه لأنه الله فتلك عبادة الأحرار،[3] وقال إبراهيم بن أدهم: اللهم إنك تعلم أنّ الجنة لا تزن عندي جناح بعوضة إن آنستني بذكرك ورزقتني حبك وسهلت علي طاعتك.