Human Fraternity

المعتزلة

 

يعتبر المعتزلة قادة التفكير العقلي في التاريخ الإسلامي، وقد كافحوا خلال تاريخهم الفكري طويلاً من أجل تكريس المذهب العقلي الذي يتجاوز ظاهر الكتاب والسنة إلى مقاصدهما الكبيرة، ولم يتوقفوا عند ظاهر التأويل.

ومن الضروري في البداية أن نشير بحزن إلى تورط المعتزلة في فتنة خلق القرآن، التي كانت نتيجة التوجهات الصارمة للخليفة المتنور المأمون، ومن بعده بالطبع المعتصم والواثق، وعلى الرغم من الغايات النبيلة التي استهدفتها نهضة المأمون العلمية والثقافية والفكرية ولكن تورطها في استخدام السياسة وموافقة عدد من أئمة المعتزلة على لعب هذا الدور المشين وأبرزهم أحمد بن أبي دؤاد وبشر المريسي وثمامة بن أشرس هو أمر لا يمكن تبريره، وقد أساء مرتين: الأولى إلى فقهاء أهل السنة الذين تعرضوا للاضطهاد بسبب آرائهم، والثانية: هي الإساءة الكبيرة لتراث المعتزلة أنفسهم الذي أصبح تراثاً مرجوماُ بعد الانقلاب السياسي الذي قام به المتوكل بعد أن ولي الخلافة.

ولا بد من هذه المقدمة حتى نستطيع أن ندلل بالضبط على المعنى المقصود بمواقف المعتزلة بعيدا ًعن السياق السياسي والحزبي الغاشم الذي ما دخل الفكر إلا أفسده.

فهل أستطيع أن أكتب إذن بمعزل عن الفترة المريرة لتورط المعتزلة في السياسة؟

لقد ظل المعتزلة منذ ظهورهم يعانون الاضطهاد وكانت هذه المعاناة أبرز الأدلة على مشروعهم الثوري في الفكر الإسلامي السائد، وسعيهم الدؤوب لتقديم تأويل عقلي للإسلام، في قضايا الغيب وقضايا الشهادة على السواء، وإثبات أن القرآن مخلوق، وأنه غير معد لكل زمان ومكان، وأن بالإمكان التعامل معه كنص تاريخاني مخلوق العبرة فيه بخصوص السبب وليست بعموم اللفظ، وأن أسباب نزوله تحكم أفق دلالاته، وأن الخلط بين القرآن وبين الله، واعتبار القرآن هو الله ذاته، أو هو صفة قائمة فيه هو غلو في الدين، وأن عامة الفقهاء قد وقعوا في الغلو بالقرآن ومزجوا بينه وبين الله، كما وقع النصارى في الغلو بالسيد المسيح.

إن القرآن كلام من الله، وليس هو الله عينه، وهو وحي من الله وليس الله عينه، وأنه نزل متسقاً مع الحوادث، ولا يوجد سبب منطقي لافتراض أزلية نص تبت يدا أبي لهب وتب، أو نص فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها، فهي كلها نصوص حال جاء القرآن الكريم مخبراً عنها بعد وقوعها، وهذا أمر لا يحتاج إلى افتراض أي غيب، بل هو وثيق الصلة بعالم الشهود.

ولا بد من القول بأن اسم المعتزلة لا يصح تبريره بأنّ واصل بن عطاء اعتزل حلقة الحسن البصري في مسجد البصرة، حين خالفه في مسألة المنزلة بين المنزلتين، وفيه قال الحسن البصري اعتزلنا واصل، فصارت التسمية غالبة على القوم، وهذه الحكاية على افتراض صحتها لا تحمل سبباً كافياً لتمسك المعتزلة بهذا الاسم، حيث حافظوا في كتاباتهم ودراساتهم على هذه التسمية باستمرار.

وقناعتي أن المعتزلة سموا بهذا الاسم في سياق الواقع الرباعي الذي كان يعيشه العالم الإسلامي آنذاك حيث لا يمكنك فهم أي نشاط اجتماعي أو ديني إلا في سياق القسمة الرباعية السائدة: السنة والشيعة والخوارج والمعتزلة.

فالسنة هم من انحاز لصف الشيخين والخلفاء من بعدهما، أما الشيعة فهم من رفض الشيخين والخلفاء من بعدهما إلا علياً، والخوارج هم من رفضوا الجميع وقاتلوهم، أما الموقف الاعتزالي فهو واضح وهو اعتزال الفتنة كلها، وتحرير الصراع كله على أساس أنه صراع سياسي قائم على المطامع ولا يوجد سبب ديني يدفعك للقتال في أي من الأطراف المتحاربة، وأن المطلوب هو اعتزال الفتن كلها، وبالفعل لا تجد معتزلياً إلا وقد اعتزل الفتن كلها ولم يكن فيها طرفاً، وبذلك يستقيم اختيارهم الاسم كما تشهد له أحوالهم وسلوكهم ونشاطهم، وليس في حياتهم سلوك مشين إلا تورطهم في هوى المأمون في فتنة خلق القرآن.

وهذا ما اختاره أهم فلاسفة الاعتزال القاضي عبد الجبار الهمذاني بقوله: إن الاعتزال ليس مذهباً جديداً أو فرقة طارئة أو طائفة أو أمراً مستحدثاً، وإنما هو استمرار لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، وقد لحقهم هذا الاسم بسبب اعتزالهم الشر لقوله تعالى: (وأعتزلكم وما تدعون) ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من اعتزل الشر سقط في الخير) [1]

ومن أهم أئمة الاعتزال واصل بن عطاء الذي ارتبط ظهور الاعتزال باسمه توفي 131 هـ، وابراهيم بن سيار النظام، وأبو الهذيل العلاف وبشر بن المعتمر، ومعمر بن عباد وأشهرهم القاضي عبد الجبار قاضي الري وكذلك الجاحظ وكتابه الأهم البيان والتبيين.

كما يمكن اعتبار عدد من الثائرين على الأمويين كأبان بن سمعان والجعد بن درهم وجهم بن صفوان وكذلك غيلان الدمشقي أصحاب مقولات اعتزالية وإن كانوا أسبق من واصل بن عطاء.

وحتى لا نذهب بعيداً في الحديث عن المعتزلة فإننا سنقتصر على موقفهم من إخاء الأديان الذي هو جوهر البحث في هذا الكتاب.

ويمكن القول إنّ المعتزلة في الإسلام هم مؤسسو الثيوديسيا في الإسلام وهو ما شرحه الفيلسوف الألماني لايبتنز وبعده إيمانويل كانط كما سنشرحه في موضعه، والثيوديسيا هي تبرير أفعال الله وتفسيرها تفسيراً يستند إلى العدل، بعيداً عن دلالات ظاهر النصوص وهو ما يمكن اكتشافه في كل موقف اعتزالي من المسائل اللاهوتية، وسنجده بوضوح في اختيارت فلاسفة الإسلام جميعاً كما سنوضحه أيضاً عند ابن سينا والقارابي وابن رشد وغيرهم.

لم يتردد المعتزلة في تأكيد أن عدالة الله أصل في الدين بل إن كل الذين تحدثوا عن أصول المعتزلة صدروها بأصل التوحيد والعدل، والكلمتان متلازمتان، فالتوحيد يعني أن نمتنع من إضافة أي مخلوق إلى الخالق سبحانه، وقد بلغ بهم التنزيه حداً كبيراً حتى أنكروا قدم الصفات كلها إلا صفة الوجود، وذلك كله لتنزيه الله تعالى، وبالتالي لمنع إسقاط العصمة على غير الله تعالى من صحابة وتابعين وفقهاء وحتى أنبياء وكتب مقدسة، فالكل غير الله، والكل له ظروفه التاريخانية الطارئة التي تنزع عنه صفة العصمة والخلود، إنك ميت وإنهم ميتون، إنما أنا بشر مثلكم، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم.

أما العدل، فهو الصفة المحورية لله تعالى، ولا يمكن فهم أي تكليف شرعي إلا إذا تحقق فيه عدل الله، وفي هذا السياق قاموا بنفي القدر المكتوب لأنه يتعارض مع العدل الإلهي، والأدلة على عدل الله تعالى في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى، إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤتِ من لدنه أجراً عظيماً.

وفي سياق ذلك فقد أنجز المعتزلة مواقف متقدمة في إخاء الأديان ودعوا إلى إعذار الخلق في اختلافهم تأسيساً على عدل الله تعالى، وأعلنوا بصراحة رفضهم لما يذهب إليه العامة من اختيار الله تعالى لأمة دون الأمم وزمن دون الأزمنة، وشخص دون الأشخاص، ليكون محلاً لرضوانه ورحمته، وأن الرسول يشفع لأمته دون الناس، ومن ذلك الإيمان بنسخ الإسلام للشرائع كلها، دون أن تقوم على الناس حجة بذلك، حيث لا يمكن أبداً التسوية بين من شهد النبوة والمبعث وهو في مكة أو المدينة وبين من شهد ذلك وهو في أدغال الهند ومجاهيل الصين، وكذلك من جاء بعدهم ولو سمعوا أن نبياً ظهر في الحجاز قال إنه أوحي إليه وصدقه الناس من حوله، ولكنهم لم يشاهدوا ما شاهده الصحابة ولم يحاوروا حوارهم ولم يتل عليهم الكتاب ولم يأنسوا بالرسول الكريم، وغير ذلك، ولا يستقيم عدلاً ولا عقلاً أن يحاسب هؤلاء حساباً واحداً.

وقد كتب المعتزلة طويلاً في الحسن والقبح العقليين، ورأوا أن العقل قادر أن يستقل بنفسه في معرفة الحسن والقبيح، وأن الوحي نور يهدي وليس قيداً يأسر، وأن الأمم قادرة بالنظر المحض على الوصول إلى معرفة الحسن والقبيح، وأن النبوة ضرورية وواجبة لإرشاد العامة، ولكن أهل النظر والحكمة، يسترشدون بالنبوات ولكنهم يبلغون مقاصدها بالنظر، ولن تضل الأمم الصادقة دربها في الإيمان بالواحد الذي ليس كمثله شيء.

ومع أن أصول المعتزلة كافية لتأسيس فهم واضح في إخاء الأديان وإعذار المخالفين الذين لم تقم عليهم حجة الله كما قامت على العرب بوجود الرسول وخيار الصحابة والدولة الإسلامية، ولكن لم يرشح من كتاباتهم في هذا الشأن إلا القليل، وسبب ذلك بالطبع أن معظم ما نقل عنهم في هذا الباب من نقل خصومهم عنهم، ومن ذلك ما نقله الغزالي عن الجاحظ بقوله:

“ذهب الجاحظ إلى أن مخالف ملة الإسلام من اليهود والنصارى والدهرية إن كان معاندًا على خلاف اعتقاده فهو آثم، وإن نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم، وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر فهو أيضًا معذور؛ وإنما الآثم المعذب هو المعاند فقط، لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وقد عجزوا عن درك الحق ولزموا عقائدهم خوفًا من الله تعالى إذ استد عليهم طريق المعرفة” [2]

ونقل الكوفي عن الجاحظ والعنبري قوله: لا إثم على من أخطأ الحق مع الجد في طلبه مطلقاً، حتى مخالف الملة والظاهرية.[3]

وقد رد الغزالي على الجاحظ وسفه رأيه، ومن العجيب أنه استدل على بطلان رأي الجاحظ بأن رسول الله كان يقتل غير المسلمين إذا ثبت بلوغهم!! وهو على يقين أنهم مقلدون لم تقم عليهم حجة!!! وهذه عبارته:
” وَلِذَلِكَ قَاتَلَ جَمِيعَهُمْ (أي اليهود والنصارى) وَكَانَ يَكْشِفُ عَنْ مُؤْتَزَرٍ مَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ وَيَقْتُلُهُ، وهو َيَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْمُعَانِدَ الْعَارِفَ مِمَّا يَقِلُّ، وَإِنَّمَا الْأَكْثَرُ الْمُقَلِّدَةُ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا دِينَ آبَائِهِمْ تَقْلِيدًا وَلَمْ يَعْرِفُوا مُعْجِزَةَ الرَّسُولِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – وَصِدْقَهُ.[4]

ولا يسعني بالطبع إلا أن أعترض أشد الاعتراض على ما ذهب إليه الغزالي في وصف الرسول الكريم بأنه كان يقتل الناس حين يبلغون، بل وينص أيضاً أنهم كانوا غير معاندين ولم تقم عليهم حجة!! فيا سبحان الله كيف يأخذ التعصب الظاهري بأهله إلى اتهام الأنبياء الكرام بما لا يفعله إلا المستكبرون الغاشمون المفسدون في الأرض.

 

وبالجملة فإنني أشير إلى المعتزلة هنا لأن سياق اختيارهم في العدل يلزمهم القول بإعذار أهل الأديان، ولكنني أعترف بأنني لم أقف على ما يكفي من أقوالهم لإثبات هذ الموقف بشكل مباشر في الفروع كما يدل له كلامهم في الأصول.