عمر بن عبد العزيز :
لا يختلف اثنان على مكانة عمر بن عبد العزيز وإمامته وأهليته لما وصفته به الأمة من أنه الخليفة الراشدي الخامس.ومع أن سياسته في الحكم كانت صارمة إلى الغاية، في مكافحة الفساد، ولكنه تميز بمواقف دقيقة جداً في مواجهة ممارسات الفاتحين، فقد كان الحجاج بن يوسف الثقفي الرجل القوي في الدولة الأموية قد تبنى خيار الفتوح والحروب تأسيساً على ضلال الأمم ووجوب اجتثاثها أو إرغامها على دفع الجزية وهي صاغرة، وقد سار في هذا الركاب محاربون كثير، وبشكل خاص في شرق العالم الإسلامي، واشتهر بشكل خاص قتيبة بن مسلم الباهلي ومحمد بن القاسم الثقفي، ومن المحزن أننا ندرس الرجلين كأبطال فتح ومجد، في حين أن كل سطر في الحروب التي خاضوها كان يمثل انتهاكاً عميقاً لقيم السلام والتراحم وإخاء الإنسان والأديان.
كان عمر بن عبد العزيز شديد النقد لسلوك الفاتحين، وبشكل خاص أولئك الذين كانوا يرتبطون بالحجاج وبرامجه التوسعية القائمة على الإكراه والتوسع، وكان الحجاج يمكر بعمر بن عبد العزيز وقد نجح في عزله عن المدينة أيام الوليد، وكان عمر يتوعده، حتى كان الحجاج يدعو اللهم اقبضني قبل أن يلي عمر، وبالفعل ومن حسن ظنه أنه مات قبل سنوات من تولية عمر.
لقد كان يعتبر حروب الفتح حروب سيطرة وغلبة، تسيء إلى جوهر الإسلام في بناء إخاء إنساني، وكان لا يرى أي بركة في دخول الشعوب في الإسلام بلا قناعة ولا حوار، ولذلك فإنه أوقف الفتوح على الفور، ونجح في إقامة علاقات متميزة مع المسيحيين بوجه خاص، فاستوزر يوحنا الدمشقي وهو كاهن مسيحي بارز طوَّبه المسيحيون[1] قديساً فيما بعد، وشكا له نصارى دمشق ضم كنيستهم إلى المسجد أيام الوليد فما زال يحاورهم ويستمع منهم حتى أرضاهم ببناء كنيسة كبرى في دمشق ما زال مكتوباً عليها كنيسة مار يوحنا الكبرى بناها الخليفة الراشدي عمر بن عبد العزيز، وأنشأ علاقات متميزة مع رجال الدين المسيحي في دمشق والقسطنطينية.
ومن عجائب ما قام به أنه استقدم وفداً من البنائين من نصارى الروم إلى المدينة المنورة حين كان والياً عليها لتجديد المسجد النبوي، وقد كان ذلك برأي الوليد وأمره، ويشير ابن الحوزي أن الوليد بعث إلى صاحب الروم يعلمه أنه أمر بهدم مسجد رسول الله صَلى اللهُ عَلَيه وَسَلَّمَ، وأن يعينه فيه، فبعث إليه بمائة ألف مثقال من ذهب، وبمائة عامل، وبأربعين حملا من الفسيفساء، فبعث به إلى عمر، وتجرّد عمر لذلك،[2] وبالفعل تم ذلك له، ولم نقرأ اعتراضاً في التاريخ على دخول النصارى إلى المدينة المنورة وقيامهم ببناء المسجد النبوي، ولا شك أن هذا يعكس موقفاً متقدماً من التسامح وإخاء الأديان.
ومن الواقعي تماماً أن نطرح اعتراضاً على ما يجري اليوم من منع غير المسلمين من دخول مكة والمدينة، وذلك استناداً إلى فتاوى متشددة للحنابلة، مع أن السلف كانوا لا يرون هذا كما رأيناه في هدي عمر بن عبد العزيز، وبالإمكان أن يتم التحول إلى فتوى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وهو المشهور عند الحنفية.
عمر بن عبد العزيز …. الخليفة الإنسان
لم يوافق أبداً على أن العالم عدو كافر ماكر، يجب قتاله، بل أمم أمثالنا، خلقهم الله ليتعارفوا.. ولدينا كتاب مصدق لما بين يديه، ولديهم قيم مشتركة نبيلة، وعلينا أن نؤسس العلاقات الدولية على أساس من القانون والاحترام، وأن الحرب والثأر ليس شكل العالم المتحضر، بل السلام والحب والرحمة….
وحين ولي الخلافة أنجز مراجعات عميقة لحركة الفتوح ونصب محكمة دستورية هائلة في الشرق برئاسة القاضي جميع بن حاضر، وقد قامت المحكمة باستدعاء الحكام والجنرالات الكبار من رجال قتيبة، وبعد محكمة عظيمة أصدر القاضي امره ببطلان الفتح وتناقضه مع قيم الإسلام العظيمة… وأمر عمر واليه على ماوراء النهر عبد الرحمن بن نعيم أن يقفل راجعاً بالمسلمين من بلاد ما وراء النهر إلى مرو، وأمر الجيوش الفاتحة أن تخرج من سمرقند وفرغانة وأعاد البلاد إلى أهلها….. يختارون ما يشاؤون.. وألغى على الفور الرسوم التي فرضها عليهم الفاتحون ومنها رسم الأعياد ورسم الزواج ورسم الفتوح التي كانت تجنيها الدولة من السكان، وهو ما كان يشكل مغنماً للمحارب وللدولة على حساب الشعوب المغلوبة…
لم تكن المحاكمة مجرد صدفة بل كانت منهجاً عمرياً راشدياً… وحين كانت الجيوش تخرج من المدن، وتعيد للناس الغنائم المسلوبة منهم، كان الناس يدخلون في الدين أفواجاً… إن الناس لم تسلم بسيف قتيبة ولا بسيف محمد بن القاسم ولا ببطش الحجاج… وإنما أسلمت بعدل عمر….
وجعل على رأس أولوياته وقف نار العداوة مع النصارى وأمر الجيوش أن تنسحب على الفور وكان مسلمة بن عبد الملك وهبيرة بن عمر يحاصران القسطنطينية قبل توليه فأمرهم بالرجوع فوراً إلى دمشق، وأطلق علاقات دبلوماسية مسؤولة مع الروم، ونشأت بينه وبين الامبراطور ليو الثالث علاقة احترام ومودة.
وتعتبر العلاقة المدهشة التي قامت بين عمر وبين الامبراطور البيزنطي في غاية النجاح والغرابة، فقد جاءت عقب حملة دامية خاضها المسلمون لغزو القسطنطينية واستمرت سنين طويلة.
وتذهب دراسات بيزنطية مهمة نشرها الدكتور عبد الوهاب القرش إلى تأثير هائل لعمر بن عبد العزيز على الأكلوجيا (التشريع البيزنطي) الذي أنجزه الامبراطور ليو الثالث والذي أسس فيه نظام أسرة شبيهاً بالشريعة الإسلامية، ومن المدهش أنّ المراسلات كانت تتم حول أدق تفاصيل العبادة وثبوت القرآن الكريم وخطه وشكله ونقطه، وكذلك في موقفه الصارم من منع عبادة الأيقونات حيث أعلن أن الأيقونات تفسد التوحيد ويجب أن تنزه عنها الكنائس كما هو الحال في المساجد…
ومن المدهش أنّ يوحنا الدمشقي الذي كان وزيراً في دولة عمر بن عبد العزيز رفض بالمطلق رأي الامبراطور ورأي عمر وتحداهما، وأطلق حملة معاكسة لتعظيم الأيقونات ومع ذلك فقد استمر في وزارته للأمويين إلى أيام هشام بن عبد الملك.
وأحسن عمر بن عبد العزيز في النصارى واستوزر منهم يوحنا الدمشقي، وحين اعترضوا على ما قام به الوليد من ضم الكنيسة الصغيرة للمسجد الكبير أنصفهم في كنيستهم وبنى لهم كنيسة مار توما الكبرى في دمشق، ولكنه منعهم من السلاح كله، وأمر أن لا يكون سلاح خارج الدولة.
ولعل أكثر الأمور إدهاشاً أن عمر بن عبد العزيز اختار بنفسه أن يدفن في دير سمعان الشرقي قرب معرة النعمان،[3] وهو ما يطرح تساؤلاً مباشراً كيف يمكن أن نفهم ذهاب عمر بن عبد العزيز إلى معرة النعمان ليدفن في دير مسيحي وهو خليفة المسلمين ودولته تمتد من تخوم الصين إلى الأندلس؟
حتى إن بعض الظرفاء من النصارى قالوا إن عمر قد استبصر واختار الخلاص بيسوع وطلب أن يدفن في دير ومات على الملة النصرانية!!
والحقيقة ان الروايات كثيرة أن عمر بن عبد العزيز أصابه المرض أو السم على المشهور فيما كان في طريقه إلى حلب واشتد المرض به عند معرة النعمان… ومن الطبيعي أن يأوي إلى الدير الموجود هناك حيث كان على صلة براهب الدير منذ أن كان والياً على خناصر قبل عشرين عامأً وكانت لأمه أرض قريبة من أراضي المعرة، وبينها وبين مزارع خناصر بطريق الخيل نحو 60 كم…
وحين اشتد به المرض طلب أن يدفن في مكان وفاته ودفع للراهب ثمن القبر ونفذت وصيته ودفن هناك….
ويروي ياقوت الرومي الخبر بروح عاطفية فريدة، وفيه ان عمر قال للديراني (لراهب الدير) إني أحب أن تبيعني (في الدير) موضع قبر (لمدة) سنة فإذا حال الحول فانتقع به، فبكى الديراني وحزن وباعه.[4]
ولا يمنع أنه كان قد قصد أن يدفن بالدير ورأى أن ذلك سيوفر لأبناء رعيته من المسيحيين فرصة أمن وطمأنينة ليعزز ثقافة الإخاء الديني بين الرعية.
وبعد عشر سنوات توفيت فاطمة بنت عبد الملك وأوصت بدورها أن تدفن إلى جواره وما زال قبراهما إلى اليوم أوضح معالم الإخاء الديني في سوريا…
إنني أعتقد أن عمر تصرف عن وعي وبصيرة وهو كزعيم تحرري هائل، رأى أن رقاده ورقاد زوجته في دير سمعان سيكون من أعظم الرسالات العابرة للتاريخ في إخاء الأديان وكرامة الإنسان.. وهكذا كان….
ومما اشتهر أن الامبراطور الرومي لما سمع بمرض عمر في الدير بادر إلى إرسال طبيبه إلى الدير، ومعه 15 أسقفاً ليساعدوا في تمريضه في الدير.
وحين مات عمر بكاه النصارى كما بكاه المسلمون، ونقل عن الامبراطور ليون الثالث: لقد مات الرجل الصالح عمر، ولو كان أحد يحيي الموتى بعد المسيح بن مريم لكان عمر بن عبد العزيز!!
وقال: لستُ أعجب من راهب أغلق بابه، ورفض الدنيا، وترهب، وتعبد، ولكن أتعجب ممن كانت له الدنيا تحت قدميه، فرفضها ثم ترهّب.
أما مطران القدس فقد بكى بمرارة، وحين سأله أصحابه، قال: لا أبكي على عمر، ولكنني أبكي على نور كان يضيء الدنيا فانطفأ.
في 2007 زارت دمشق نانسي بيلوسي رئيسة الكونغرس الأمريكي، ووجهت لنا السفارة دعوة لاستقبالها في مقرها بدمشق…
سألتها: سيدة نانسي.. كيف رأيت سوريا؟!
قالت: رائعة ومدهشة!!… قلت لها: وأروع ما فيها؟ قالت بدون تردد: الجامع الأموي!!
ولم؟؟ سألتها بشغف… قالت لي لقد زرت ضريح يوحنا المعمدان وجرن التعميد في قلب الجامع الأموي… إنه شيء مدهش.. مذهل.. الناس مسلمون ومسيحيون يطوفون حوله باحترام وتبجيل…معبدان في معبد!!! لا يوجد في بلادي قديس مسيحي في معبد يهودي ولا قديس بوذي في معبد إسلامي… ولكن ذلك موجود في دمشق.. أمر مذهل!!
قلت لها: سيدة نانسي.. وإذا كان لديك وقت فسنزور معاً قبر عمر بن عبد العزيز في إدلب وفيه قديس إسلامي في دير مسيحي… إنه عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين وقد طلب أن يدفن في دير سمعان … وبعد عشر سنوات انضمت إليه زوجته الطاهرة فاطمة بنت عبد الملك….
وكان عمر بن عبد العزيز قد ولي أولاً بلدة خناصر جنوب حلب، ونشأت بينه وبين راهب الدير صداقة ومودة حيث كان لوالدة عمر بن عبد العزيز أراض غرب خناصر تتصل بمعرة النعمان