يعتبر عمر بن الخطاب أكثر الخلفاء الراشدين وعياً بالإخاء بين الأديان، وقد ولي الخلافة بعد وفاة الرسول الكريم بسنتين، ومع أنه اشتهر بشدته وبأسه ولكن لا ينبغي أن يفهم من صرامته وشدته أنه كان يميل للحلول الدموية أو الحربية، بل كان في العمق رجل سلام من الطراز الأول، فقد كان صارماً ولكنه لم يكن ظالماً، وكان شديداً وبذلك كان يمنع وقوع الحرب، حيث لا يطمع به طامع.
وفي حروب الردة من الضروري أن نشير إلى اعتراض عمر بن الخطاب على هذه الحروب واختلاف رأيه جذرياً في معالجتها بالحوار والمنطق والبر، ولكن أبا بكر أصر على موقفه في محاربة المرتدين وقال لعمر: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام يا عمر..
ومع ذلك فإنه حين ولي أنهى على الفور حروب الردة، وأذن باستكمال الفتح للشام والعراق باعتبارهما بلاداً عربية، ولكنه نهى عن امتداد الحرب بعد ذلك في فارس أو مصر أو بلاد الروم أو البحر، وله في ذلك مواقف شديدة وواضحة.
أما مواقفه في إخاء الأديان فيمكن أن نشير إلى موقف بالغ الأهمية وهو موقفه يوم فتح بيت المقدس.
فتح المقدس ودبلوماسية حوار الأديان:
كانت كنيسة القدس شرقية تتبع لهرقل وقيصر، وذلك منذ أن انتقل قسطنطين الكبير إلى القسطنطينية مطلع القرن الرابع، وكانت بالطبع تسير في هوى ملوكها في إحباط آمال المسملين بالتحرر من الروم وإعادة بلاد الشام إلى عروبتها بعد أن استعمرها اليونانيون ثلاثة قرون واستعمرها بعدهم الرومان والروم نحو ستمائة عام.
ومع أن مدينة دمشق سقطت بيد الفاتحين منذ عام 13 هجرية وانطلق الفاتحون في مدن كثيرة في الشام، إلا أن عمر بن الخطاب أمر بأن تبقى القدس خارج العمل الحربي، في تأكيد لحصانتها الدينية، وقد كانت وصاياه للمجاهدين دوماً تنص على حماية أصحاب الدير والصوامع، الذين أمرنا بتركهم وما يدينون.
وفي أعقاب معركة اليرموك عام 15 هجرية وفرار القوات الرومية من الجنوب السوري أصبحت القدس بحكم الساقطة عسكريا، ولم يكن دخولها يكلف المسلمين شيئاً بعد أن أصبحت مدينة بدون جيش، وكان بالإمكان الدخول إليها ببساطة وإخراج الكهنة والرهبان منها، خاصة أنها تعتبر في الأدب الإسلامي مدينة هامة حيث ارتبطت بمعراج الرسول الكريم وفي الحديث الصحيح: لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى.
ولكن عمر بن الخطاب كان دقيقاً تماماً في دبلوماسية الحوار الديني، وأمر قواته المقاتلة بكل صرامة أن يتجنبوا أي لون من الصراع العسكري في القدس، وشعوراً منه بخطر هذه المهمة قام بالسفر شخصياً إلى القدس ليتم مراسيم دخول المدنية المقدسة سلماً لا حرباً، ضمن تفاصيل خاصة بها دون سائر المدائن.
وهكذا فإن عمر بن الخطاب افتتح لوناً من الدبلوماسية الجديدة وهي دبلوماسية الحوار الديني، فمن المعروف أن استلام مفاتيح المدينة ينبغي أن يكون بين قائد الجيش المنتصر وبين حاكم القدس، ولكن عمر بن الخطاب تجاوز هذا العرف القريب إلى عرف أشد منه تأثيراً ووعياً حيث وقف بنفسه قبالة الأسقف المسيحي، واختار استلامها من رجال الدين، مع أن الحرب والسلم شأن رجال السياسة، ولكن عمر بن الخطاب أراد أن يبقي لهذه المدينة دوراً رائداً في الحياة الاجتماعية بعيداً عن الحرب، فقام بنفسه باستلام مفاتيح القدس في أجواء جديدة لا تشبه في شيء ما كانت تعرفه العرب من قبل.
وارتبطت حادثة استلام مفاتيح القدس بسلسلة روايات تؤسس لنوع خاص من دبلوماسية التعامل مع المدن الدينية.
روى الواقدي في فتوح البلدان أن عمر بن الخطاب تلقى في المدينة كتاب أبي عبيدة من الشام، يخبره ان القدس محاصرة وهي على وشك السقوط بعد أن فر جيش الروم، وأن أسقف بيت المقدس يطلب أن يتسلم المدينة خليفة المسلمين شخصياً.
وقرر الفاروق السفر إلى بيت المقدس لتسلم المدينة من البطريرك فيها، ويهمنا هنا تسليط الضوء على الجانب الدبلوماسي الذي أظهره عمر بن الخطاب لتحقيق الهدف الرئيس وهو بناء منطقة روحية آمنة خارج الحرب، وتحييد المدن الدينية عن الصراع، وإسباغها ما تستحقه من هيبة ووقار وجلال، وتأكيد الحرية الدينية فيها لتكون موئلاً وملاذاً آمناً لأهل الأديان سواء دخلوا في الإسلام أم لم يدخلوا فيه.
واختار عمر بن الخطاب أن يدخل القدس بطريقة مختلفة لا تشبه ما تعارفه الملوك، ولم يختر أبهة القياصرة ولا الأكاسرة، ولا حتى وصايا التجمل والبهاء للملوك التي كان النبي الكريم يلتقي بها الوفود وإنما اختار مشهداً غاية في الزهد والتصوف…
ويصف الواقدي مشهد عمر عند وصوله إلى بيت المقدس ومعه غلامه أسلم بن برقان على بعير واحد، فيقول: بلغني ممن أثق به أنه كان يرتدي مرقعة من صوف، وعليه إزار وخفّان وعمامة، وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء، وقد خلع خفّيه، وجعلهما تحت إبطيه، قالوا: له يا أمير المؤمنين، الآن يلقاك الجنود وبطارقة الشام، وأنت على هذه الحالة! قال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العزّ بغيره.
ولا ينبغي أن ينظر إلى سلوك عمر بن الخطاب هنا على أنه مجرد زهد وترفع عن الدنيا، بل هو في الواقع قراءة دقيقة لبناء دبلوماسية الحوار الديني، وتأسيس مدينة الإيمان المشترك التي تتسع لكل أبناء الأديان، وقيام ذلك على أساس المساواة والتكامل والثقة وليس على أساس القهر والغلبة، وترسم سائر روايات فتح بيت المقدس الرغبة الأكيدة عند عمر بن الخطاب في عدم نزوح النصارى من القدس، وتوفير ظروف إقامتهم وحقوقهم على وجه لائق، ومنحهم الحرية الدينية المطلوبة لتعزيز التنوع الثقافي والوجود الديني في القدس والحيلولة دون نزوح هذه الديانة من المشرق.
وبعد مشاورات وتناصح أنجز عمر بن الخطاب كتابة العهد بينه وبين البطريرك سفرنيوس ورجال الدين النصارى، وهذا الميثاق سيصبح اسمه خلال التاريخ العهدة العمرية وسيعلقه النصارى في كنائسهم في كل مكان، وهو ما اعتبر أكثر عقد اجتماعي تنوراً وتسامحاً في تلك المرحلة من العصور الوسطى.
والعهدة العمرية كما رواها شيخ المؤرخين والمحدثين الطبري في تاريخ الأمم والملوك تنص على التالي:
“هذا ما أعطى عبد الله، عمر، أمير المؤمنين، أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيِّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود.
ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بِيَعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بِيَعهم وصلبهم حتى يبلغوا أمنهم. فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم”.[1]
وفي الواقع فإن الحرية الدينية التي تضمنها هذا النص كانت بالفعل غير متوقعة ولا متصورة في عصر كان يغلب فيه على الناس منطق: الناس على دين ملوكهم، ولم يكن البطارقة أنفسهم يتوقعون أن ينالوا حداً من التسامح يحفظ كنائسهم ومؤسساتهم الدينية بهذه الطريقة، فيأمنون على بيعهم وصلبانهم، وتكون لكنائسهم حصانة دينية تشتمل على امتيازات الحصانات الدبلوماسية، وتتيح لهم الحفاظ على نسيجهم الديني حراً طليقاً بدون قيود، وفق منطق القرآن الكريم لا إكراه في الدين.[2]
وبالعودة إلى دبلوماسية الحوارالديني، فقد أراد عمر أن يكتب تاريخاً للقدس يختلف تماماً عن تاريخ فتح المدائن، وأراد أن يبقي على دور أساسي ومحوري للدين في حماية السلام في المنطقة، ولأجل ذلك كتب بعناية العهدة العمرية التي تضمن وجودهم وحقوقهم ودورهم في التماسك الاجتماعي بين سكان المدينة المقدسة ومن لجأ إليها من الشعوب الأخرى.
ومن طريف ما أورده ابن خلدون في المقدمة أن عمر دخل بيت المقدس وجاء كنيسة القيامة فجلس في صحنها، وحان وقت الصلاة فقال للبطرك أريد الصلاة، فقال له: صلّ موضعك، فامتنع وصلّى على الدرجة التي على باب الكنيسة منفردا، فلمّا قضى صلاته قال للبطرك لو صليتُ داخل الكنيسة لأخذها المسلمون بعدي وقالوا هنا صلى عمر….
ثم قال للبطرك أرني موضعا أبني فيه مسجداً فقال له البطرك: على الصخرة التي كلم الله عليها يعقوب، ووجد عليها دماً كثيراً فشرع في إزالته وتناوله بيده يرفعه في ثوبه، واقتدى به المسلمون كافة فزال لحينه، وأمر ببناء المسجد.[3]
وهكذا فإنه في غمار حرب طاحنة بين العرب والروم أو بين المسلمين والروم ومن والاهم من أهل الشام تمكن عمر بن الخطاب من الاحتفاظ بقسم جوهري من الأرض على أعلى درجة من الأهمية خارج الحرب وخارج الدماء، وأعلن حماية الحقوق الدينية للمسيحيين بشكل غير معتاد في ذلك التاريخ، واستمرت القدس في دورها الروحي منارة لأتباع المسيح، واستجاب لطلبهم الرئيسي في منع اليهود من الدخول إليها بعد أن تسببوا في خرابها مرتين.
من الواضح أن موقف عمر بن الخطاب في القدس ودمشق وحلب وإقرار ما فيها من دور عبادة لا يشبه في شيء تلك السلوكيات الانتقامية التي حصلت على يد المحاربين في الشرق والغرب حيث لم تظهر حكمة كهذه في فتوح قتيبة ولا محمد بن القاسم ولا طارق بن زياد ولا محمد الفاتح فيما بعد، حين صار أول مراسم الفتح هو تحويل الكنائس إلى مساجد، ونفي الكهنة والرهبان وهدم كل معالم الدين الأول