Human Fraternity

أين إنسانيتنا؟

بقلم: الشيخ علي رسول زاخراني

أين إنسانيتنا؟

 

لم يكن سؤال الإنسانية يومًا سؤالًا هامشيًا في التصور الإسلامي، بل كان في صميم رسالة الاستخلاف التي خُلق الإنسان لأجلها، فالإسلام لم يأتِ ليبني إنسانًا قويًا فحسب، بل ليبني إنسانًا راشدًا، يوازن بين العقل والقلب، وبين التقدم المادي والمسؤولية الأخلاقية، غير أن واقع الإنسان المعاصر يكشف عن مفارقة لافتة؛ إذ بلغ من السيطرة على الطبيعة مبلغًا عظيمًا، بينما تعثّر في الحفاظ على إنسانيته.

لقد استطاع الإنسان أن يطير في السماء، وأن يغوص في أعماق البحار، وأن يطوّع العلم والتقنية لخدمته، لكن هذا التقدم لم يُترجم دائمًا إلى رقيّ أخلاقي موازٍ، بل إن اتساع القدرة كثيرًا ما رافقه تراجع في القيم، حتى غابت الرحمة في زحمة المصالح، وبهت العدل أمام منطق القوة، وأصبح الإنسان مهددًا من أخيه الإنسان أكثر من أي وقت مضى.

يقدّم الإسلام رؤية متكاملة للإنسان بوصفه مخلوقًا مكرّمًا ومسؤولًا في آن واحد. فالقرآن الكريم يقرر بوضوح: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، لكنه في الوقت ذاته يحمّل الإنسان أمانة الاستخلاف، ويضع له ميزانًا أخلاقيًا لا يجوز تجاوزه، فالتكريم ليس امتيازًا مطلقًا، بل مشروط بالعدل، وحفظ الكرامة، وعدم الإفساد في الأرض.

إن الأزمة التي نعيشها اليوم ليست أزمة علم أو معرفة، بل أزمة وعي أخلاقي، فالعلم حين ينفصل عن القيم يفقد بوصلته، ويتحول من أداة بناء إلى وسيلة هيمنة. وقد نبّه القرآن إلى هذا الخلل حين ربط بين القدرة غير المنضبطة والفساد، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. فالفساد في جوهره خلل في فهم دور الإنسان وحدود سلطته، قبل أن يكون خللًا في الوسائل.

وفي التصور الإسلامي، لا تُقاس قوة المجتمعات بما تملكه من أدوات السيطرة، بل بقدرتها على صيانة الإنسان داخلها. فالعدل هو أساس العمران، والرحمة شرط الاستمرار، وقد لخّص النبي ﷺ هذه القيم حين جعل السلامة من الأذى معيارًا عمليًا للإيمان، ليؤكد أن التدين الحق لا ينفصل عن السلوك الأخلاقي، ولا يُختزل في الشعائر وحدها.

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى استعادة البعد الإنساني في الخطاب الإسلامي المعاصر، لا بوصفه ترفًا فكريًا، بل ضرورة حضارية، فالدين الذي أعاد للإنسان كرامته الأولى، قادر اليوم على تقديم إجابة متوازنة عن أسئلة العنف، والظلم، والتفكك الاجتماعي، إذا أُعيد فهمه في أفقه المقاصدي، بعيدًا عن الاختزال أو التوظيف الضيق.

إن العودة إلى القيم الإسلامية لا تعني الانسحاب من العصر، بل تعني إعادة توجيه مساره، فالإسلام لا يعارض التقدم، لكنه يرفض أن يكون التقدم على حساب الإنسان، ولا يقف ضد القوة، لكنه يشترط أن تكون منضبطة بالعدل والرحمة، وفي هذا التوازن تكمن إمكانية بناء عالم أكثر استقرارًا، دون التفريط في العقل أو الإيمان.

إن استعادة إنسانيتنا لم تعد خيارًا أخلاقيًا مؤجلًا، بل ضرورة وجودية في عالم يتسع فيه النفوذ وتضيق فيه القيم، فالحضارة التي لا تحمي الإنسان من القسوة، ولا تصون كرامته من الامتهان، تحمل في داخلها بذور فنائها مهما بلغت من التقدم، والرهان الحقيقي اليوم ليس على مزيد من القوة، بل على وعي أخلاقي يضبطها، ولا على وفرة المعرفة، بل على حكمة تُحسن توجيهها.

إن التصور الإسلامي، حين يُفهم في بعده الحضاري، يقدّم نموذجًا متوازنًا للإنسان المعاصر: إنسانًا قويًا دون أن يكون ظالمًا، حرًا دون أن يكون فوضويًا، متدينًا دون أن يكون منغلقًا، نموذجًا يجعل من العدل أساس العمران، ومن الرحمة شرط الاستمرار، ومن المسؤولية قيمة حاكمة في الفرد والمجتمع.

وفي زمن تتكاثر فيه أسباب الانقسام، يصبح السؤال عن الإنسانية سؤالًا عن المستقبل ذاته، فإما أن يستعيد الإنسان وعيه برسالته، فيبني عالمًا يتسع للجميع، أو يستمر في إقصاء القيم، فيصنع بيده عالمًا أكثر قسوة واضطرابًا. وهنا تتجلى الحاجة إلى إيمان واعٍ، لا يهرب من الواقع، بل يواجهه، ويعيد للإنسان مكانته بوصفه غاية لا وسيلة، وقيمة لا رقمًا في معادلات الصراع.

إن إنسانيتنا ليست شعارًا نرفعه، بل مسؤولية نحملها، وأمانة نُسأل عنها، وفي استعادتها يكمن المعنى الحقيقي للاستخلاف، وجوهر الرسالة التي أرادها الله للإنسان على هذه الأرض

 

 

 

قيمة وأمانة

لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وجعله خليفة في الأرض، وسخّر له كل ما فيها، وحمله أمانة عظيمة تحفظ كرامته وحقوق الآخرين. فالإنسان ليس مجرد كائن يعيش لحاجاته الخاصة، بل هو روح ومسؤولية، وقد منح العقل والضمير ليتمكن من التمييز بين الخير والشر، بين الحق والباطل. وما من هدى أعلى من ما جاء به الرسل والأنبياء، فهم الذين أرشدونا إلى العدالة، وحضّونا على حماية أرواح الناس، وترك الظلم، ورفع قيمة الإنسان في كل أعمالنا وتصرفاتنا.

فالإنسانية هي الرابط الأسمى بين البشر، والقيمة التي تجعل المجتمعات قائمة على السلام والأمن، لا على العنف والهيمنة. أرسل الله الرسل والأنبياء ليعلموا الناس أن الحياة هبة عظيمة، وأن كل نفس ثمينة، وأن لكل فرد حقًّا في العيش بسلام وكرامة. فالإنسان بنيان الله في أرضه، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأطعمه وسقاه، ورعاه، ومنحه الحياة، وجعل أمر موته إليه وحده. لذلك لا يحق لأحد أن يهدم هذا البنيان أو يزهق تلك الروح. حماية النفس والحفاظ على كرامة الإنسان مسؤولية جماعية وفردية في آن واحد.

إن استبيح الدماء والحقوق، وضاع الأمان، ولم يعد للعدل مكان، تنهار المجتمعات، وتضيع القيم، وينتشر الظلم والفوضى. وإذا تأملنا تاريخ البشرية، نجد أن كل الأديان والفلسفات والمذاهب الفكرية والاجتماعية اجتمعت على هدف واحد: حماية الإنسان وكرامته، واحترام الحقوق، ونبذ العنف، وتعزيز التعايش السلمي. فمن خلال التدبر والعقل، استطاع الإنسان أن يضع أسس الحياة المشتركة، وأن يبتكر القوانين والمبادئ التي تحفظ الحقوق، وتقيم العدل، وتضمن سلامة المجتمعات.

لا فرق بين البشر إلا في أعمالهم وفضائلهم، وما يجمعهم هو الإنسانية المشتركة التي تتجاوز الاختلافات الثقافية والعرقية والدينية. وعندما تكثر الحروب، ويُستباح الدم، وتُنتَهك حقوق الأطفال، وتُدمّر المجتمعات، فإن العبء الأكبر يقع على عاتق الجميع: الحكومات، المؤسسات، الأفراد، وكل من يستطيع أن يكون صوتًا للسلام والعدالة.

ولعلّ أروع ما يُعبّر عن هذه الروح قول الإمام علي رضي الله عنه لواليه مالك الأشتر: «واعلم يا مالك أن الناس صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق». وهي دعوة صادقة لتقدير الإنسان واحترامه، بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي، وتذكير بأن كل إنسان جدير بالعدل والكرامة.

في عالم يشهد صراعات متزايدة وتحديات اقتصادية جمة، نحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم “الإنسانية”. فكما أن الإنسانية هي قيمة مطلقة، فهي في الوقت ذاته مسؤولية جماعية. لذلك، يجب أن تُترجم هذه القيم إلى أفعال ملموسة في جميع جوانب الحياة: من السياسة إلى الاقتصاد، ومن العلاقات الاجتماعية إلى التعليم. لا يكفي أن نتحدث عن الإنسانية في كلمات جميلة، بل يجب أن نعيشها ونغرسها في أفعالنا اليومية.

إذا أردنا أن نحقق عالمًا أفضل، يجب أن نأخذ خطوة جادة نحو تعزيز مفاهيم التسامح والعدالة في كل جانب من جوانب حياتنا. يجب أن يكون التعليم منبرًا لتنشئة أجيال تؤمن بحق الإنسان في العيش بكرامة بعيدًا عن أي شكل من أشكال التمييز أو الظلم. كما يجب أن تُتبع القوانين الدولية والمحلية التي تحفظ حقوق الإنسان بأقصى درجة من الشفافية والعدل، دون التفريق بين البشر بناءً على العرق أو الدين أو المذهب.

وفي هذا السياق، يمكننا أن نتخيل عالمًا تتراجع فيه الحروب، ويختفي فيه الظلم، ويزدهر فيه التعاون بين جميع الشعوب. إننا بحاجة إلى تعزيز القيم الإسلامية التي تحث على “العدل” و”المساواة” في أسمى صورها. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فإن التزامنا بالعدل والإحسان يجب أن يكون في كل تعاملاتنا، سواء على مستوى الأفراد أو المجتمعات.

في هذا الإطار، نستطيع أن نرى كيف أن العمل الجماعي، المبني على هذه المبادئ، قادر على إحداث التغيير الجذري في المجتمعات. ليس فقط من خلال القوانين والسياسات، ولكن أيضًا من خلال الأفراد الذين يتحلون بمسؤولية تجاه مجتمعاتهم ويسعون إلى إحداث الفرق في حياة الآخرين، حتى وإن كانت خطوة صغيرة.

علينا أن نتذكر أن حماية الإنسان تبدأ من حماية نفسه، ثم حماية حقوقه وحرياته. إنها مسؤولية لا تقتصر على الفئات المجتمعية العليا أو الأنظمة الحاكمة، بل تشمل كل فرد في المجتمع. التزامنا بالقيم الإنسانية يعني أننا لا نتخلى عن حقوق الآخرين، بل نشاركهم في سعيهم نحو حياة أفضل.

في النهاية، إذا كنا نؤمن أن الإنسان هو محور الكون، كما صُوّر في الرسالات السماوية، فيجب أن نلتزم بتوجيهنا نحو بناء مجتمع يحقق السلام الداخلي والخارجي، مجتمع يعلي من قيمة الإنسان، ويرفض كل أشكال الاستغلال والظلم. أمة تصون حقوق أفرادها وتدافع عن كرامتهم، وتُعلم الأجيال أن الإنسانية ليست مجرد شعار يُرفع، بل هي واقع ينبغي أن نعيشه في كل تفاصيل حياتنا.

فلنجعل الإنسانية قانوننا، والعدل ميزاننا، والرحمة منهجنا، والحوار سبيلنا. لنصن أرواحنا وأرواح الآخرين، ولنحافظ على حقوق الإنسان في الحياة والكرامة، ولنعمل على بناء مجتمعات تقوم على الفضائل والقيم، وتنبذ الظلم والفساد، وتحقق السلام والأمان لكل البشر. إننا حين نؤمن بأن الإنسان قيمة مطلقة، نُقيم العدل في الأرض، ونبني عالمًا يليق بكرامة الإنسان، ويحقق الخير للجميع، ونرسم به خارطة أملٍ تمتد عبر الأجيال القادمة.

ولننظر إلى المستقبل بعين التفاؤل، وقلوب صافية، وعقول واعية، نتمسك فيها بالقيم الإنسانية، ونرتقي بالفضائل، ونتعاون على خدمة الحياة. فكل خطوة نخطوها نحو العدل والرحمة والتعايش السلمي، هي خطوة نحو عالم أفضل، يحقق الأمن والسلام لكل البشر، ويجعل الإنسانية صرحًا شامخًا يجمع بيننا، ويعلو فوق كل خلاف وتفرّق.

فلنكن أمة الإنسان، أمة تجمع بين العدل والرحمة، بين العمل والفكر، بين الحلم والواقع، أمة تحافظ على قيمة الحياة، وترفع راية الإنسانية عالية، لا يطالها الفساد ولا الظلم، وتظل على مرّ الأزمان مثالًا للحب والخير والسلام.