د.منير خضير
أستاذ الفقه الإسلامي في جامعة الملك فيصل
قراءة في النظام الاجتماعي الإنساني في الإسلام
ينطلق النظام الاجتماعي الإسلاميّ الإنسانيّ من المبادئ السبعة التالية:
- مبدأ الأخوّة النسبيّة
- مبدأ الأخوّة الإيمانية
- مبدأ الأخوّة الوطنية
- مبدأ المشاركة الإنسانية
- مبدأ الكرامة الإنسانية
- مبدأ نبذ العصبية
- مبدأ التفاضل بالتقوى
. 1-مبدأ الأخوّة النَّسَبيّة: تُعتبر الرابطة النسبيّة أساس تكوين الأسرة، وهي الخليةَ الأولى في تكوين المجتمع، فقوة هذه الرابطة، قوة للأسرة، وللمجتمع، ثم قوة الأمة كلها. قال تعالى: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ). (القصص35). وقال تعالى: (وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي). (طه29-31)
. 2-مبدأ الأخوّة الإيمانيَّة: فالمؤمنون إخوة. قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات10) وقال-صلى الله عليه وسلم: (المُسْلِمُ أَخو المُسْلِمِ) . وتأكيداً لهذه التشريعات، كان من أول أعماله-صلى الله عليه وسلم-عند هجرته، المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، مؤكداً خصال المحبة والإيثار والتعاون والمواساة، حتى التوارث، قبل تشريع الإرث. فهو يدعو إلى تقوية الدولة الإسلامية، فبدأ الإخاء، فالسخاء، ثم الرخاء. قال-صلى الله عليه وسلم: (المسلمون تَتكافأ دِمَاؤُهُم: يَسعَى بذمَّتهم أدناهم، ويُجيرُ عليهم أقْصاهُم، وهم يَدٌ على مَن سِوَاهم، يَرُدُّ مُشِدُّهُم على مُضْعِفِهِم، ومُتَسَرِّيهم على قاعِدهم) . تَتكافأ دِمَاؤُهُم: أي تتساوى في الديّات والقصاص . وتنبع أهمية هذا المبدأ، وتفوّقه على الروابط الأخرى، من كونه منطلقاً لسمات أفراد المجتمع المثالي، من الصدق والأمانة والعدل والإحسان والمساواة والمحبة والتعاون، وحاجزاً يمنع أفراد المجتمع من الكذب والخيانة والظلم والحقد والتفرّق، ويجعل المجتمع قوياً متماسكاً، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً. قال ابن تيمية : “القرابة الدينية أعظم من القرابة الطينية، والقرب بين القلوب والأرواح أعظم من القرب بين الأبدان.
” . 3-مبدأ الأخوّة الوطنيَّة (الانتماء الوطني) وأثره: فالناس الذين يقيمون في وطن واحد، وعلى أرض واحدة، فمهما اختلفت اتّجاهاتهم ومللهم وأديانهم، فإنَّ أوطانهم تربطهم برابطة واقعيّة مادية، فالشخص يميل إلى من وُلد إلى جانبه، ونشأ بقربه، ودرج على أرضه، وعاش في وطنه. قال تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً) (الأعراف 85) وقال تعالى: (وَإِخْوَانُ لُوطٍ) (ق13) فالأنبياء-عليهم السلام-ليسوا إخوان أقوامهم بالعقيدة، بل إخوة لهم (بالانتماء إلى الأرض)
. 4-مبدأ الأخوّة الإنسانيَّة وأثره: فالناس كلهم لأب واحد وأم واحدة، مهما اختلفت مللهم وأديانهم وأوطانهم، ومن الأدلة: أ-قال-صلى الله عليه وسلم: (وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ) . ب-قال-صلى الله عليه وسلم: (أنا شَهِيدٌ أن الْعِبَادَ كُلَّهُمْ إِخْوَةٌ) . ج-نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الحَبَشَةِ، يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: (اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ) . د-قال-صلى الله عليه وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ “، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ” فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ) . ه-قال تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) (المائدة8) و-قال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) (الممتحنة8) ومن أمثلة الإحسان إلى غير المسلمين: أ-جاء (زيد بن سَعْنة) الْحَبْر اليهودي، يطلب دينه من النبيّ-صلى الله عليه وسلم-وجذب ثوبه، وأغلظ له القول، فانتهره عمر-رضي الله عنه-فقال-صلى الله عليه وسلم-لعمر-رضي الله عنه-: (تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي، أدّ إليه دينه وزده عشرين صاعاً لِمَا روّعته). فكان سبب إسلامه” . ب-أسرَ المسلمون (ثمامة بن أُثال)، حيث بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فخرج إليه النبيّ-صلى الله عليه وسلم-فقال: (مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ)؟ فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ، تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ، فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتُرِكَه ثلاثة أيام، ثم قال: (أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ). فانطلق واغتسل وأسلم، وقال: “يا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ إِلَيَّ” . فانطلق واغتسل وأسلم، لِمَا رأى من أخلاق النبيّ-صلى الله عليه وسلم-وحُسْنِ معاملته. ج-سبى المسلمون (سَفَّانة) بنت حاتم الطائي، فقالت: “يا محمد، إن رأيتَ أن تُخَلِّي عنّي، ولا تُشمتْ بي أحياء العرب، فإني بنت سيد قومي، وإن أبي كان يحمي الذمار، ويفكّ العاني، ويُشبع الجائع، ويطعم الطعام،..، أنا ابنة حاتم الطائي، فقال-صلى الله عليه وسلم-: (يا جارية، هذه صفة المؤمنين حقاً، لو كان أبوك مسلماً، لترحمنا عليه، خلّوا عنها، فإنَّ أباها كان يحب مكارم الأخلاق). فقالت: “كساني وحمّلني وأعطاني نفقة” . وكان ذلك سبباً في إسلام أخيها عديّ بن حاتم -رضي الله عنه. د-أكرَمَ -صلى الله عليه وسلم-بني المصطلق، حينما تزوّج أمّ المؤمنين (جويرية) بنت الحارث-رضي الله عنها-فقد خرج الناس يقولون: أصهار رسول الله-صلى الله عليه وسلم-تحت أيدينا؟! فأرسَلوا ما كان في أيديهم من السبي، قالت عائشة-رضي الله عنها: “فلقد أعتق بتزوّجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلِق، بتزوّجه إياها” . وإنّ مبدأ (الأخوّة الإنسانية)، هو الرابط الذي يربط (أمّة الإجابة) التي آمنت من قبل، بـ(أمّة الدعوة) التي لم تؤمن بعدُ، وهي تُقيم بين أظهرنا
. 5-مبدأ الكرامة الإنسانية: خلق الله تعالى الإنسان، وحفظ له كرامته. قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ). (الإسراء:70). وإنَّ مِن أوضح الأدلّة على ذلك: أ-سَعَى الإسلام إلى إنهاء الرق وعبودية الإنسان لأخيه الإنسان، بفتح أبواب العتق المتعددة. ب-أوصى عليّ-كرّم الله وجهه-مالكَ بن الحارث الأشتر النخعيّ عندما ولاّه مصر، فقال له: “وأشعر قلبَك الرحمةَ للرعيّة، والمحبّةَ لهم؛ والْطفْ بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً، تغتنم أكلَهم، فإنهم صنفان؛ إما أخ لك في الدّين، وإما نظير لك في الخلق” . وقد جاء في تراثنا الفقهيّ أمثلة تؤكّد حفظ الكرامة الإنسانيَّة: 1) مَن احتاج إلى ماء الوضوء، وتبرع أحد به، لم يلزمه قبوله، لأن المنّة تلحقه. 2) في جباية الزكاة، تقوم عمّال الصدقة بجبايتها، وذلك صيانة لكرامة الآخذ، ولكيلا يتبع ذلك مِنّةٌ . 3) لا يلزم الحجُّ للمسلم ببذل غيره لماله، ولا يصير مستطيعاً بذلك . 4) دعا الإسلامُ إلى الكفاءة بين الزوجين، حفظاً لكرامتيهما الإنسانيَّة. 5) نهى الإسلامُ عن ضرب الزوجة والخادم والعبد، حفظاً لكرامتهم الإنسانيَّة. 6) حفظَ الإسلامُ الكرامة الإنسانيَّة للفرد من شهود الزور، فقال الفقهاء: من شهد شهادة زور، أُدِّب، وأقيم للناس في المواضع التي يُشتهر بها أنه شاهد زور..؛ في السوق، أو بين القبائل، أو في مسجده،.. ويقول الموكَّل به: “إنّ الحاكم يقرأ عليكم السلام، ويقول: هذا شاهد زور، فاعرفوه”، تأديباً له، وعبرة لغيره . ولابدّ هنا من التفريق هنا بين مبدأ (الكرامة الإنسانيّة)، ومبدأ (الإنسانيّة)، حيث إنّ مبدأ (الإنسانيّة) مبدأ فلسفي غربي، وملخصه أنه يَعُدُّ الإنسانَ مدارَ الكون ومركز الحياة، دون اعتبار للخالق-عزّ وجلّ
. 6-مبدأ نبذ العصبيَّة: والعصبية بمعناها البسيط، تعني التناصر بين أفراد، تجمعهم رابطة معيّنة، سواء كان التناصر على الحق أو على الباطل، ولا ينتج عنها سوى التناحر والتقاتل والتباغض، ولهذا نفّر الإسلام منها. عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-فَقَالَ: (مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ)؟! قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) . وقد تكون العصبية قائمة على التعصب بالنسب للقبيلة والعشيرة، كما في مجتمعِ الجاهلية الأولى، الذي كان شعارهم قول دريد بن الصِّمّة الهوازنيّ عندما رثى أخاه: وما أنا إلا مِن غزَّية إن غوتْ * غويتُ وإنْ ترشُد غزيّة أرشدِ وجاء الإسلام بشعاره الحقّ في قوله-صلى الله عليه وسلم: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: (تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ) . ويشبه العصبيةَ القبلية، ما يكون من التعصب للبلد أو للدين أو للطائفة أو للمذهب أو للحزب
. 7-مبدأ التفاضل بين الناس بالتقوى والعمل الصالح: وقد شرع الإسلام هذا المبدأ ليحلّ محل التمايز القائم على اللون والعرق والجنس والجاه، والتفاخر بالأنساب والأحساب والألقاب، فقد أعطى الإسلام قيمة الفرد، بما تحمله نفسه من التقوى، وما يتحلى به من فضائل، ومن الأدلَّة: أ-قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) (الحجرات13) ب-قال-صلى الله عليه وسلم: (وَمَنْ أبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) . فإذا تحققت هذه المبادئ، تكوّن المجتمعُ المسلم المثالي، وانطلق أفراده لتطبيق شريعة الله تعالى في أرضه بالعبادة والعمل.
وأخيراً. -هل يسعى المسلمون اليوم إلى العمل وفق هذه المبادئ السبعة؟
-وكم تحقَّق من هذه المبادئ فعلاً؟
-ولماذا تأخر تحقيقها فعلاً؟